الرهان العربى على الذكاء الاصطناعى

الأحد 18 يناير 2026 - 7:12 م

شهد العالم العربى مؤخرا اندفاعا واسعا نحو تبنى تقنيات الذكاء الاصطناعى، مدفوعا بطموحات التحول الرقمى، وتعزيز تنافسية الاقتصادات الوطنية. هذا التوجه يأتى فى لحظة تاريخية تتسارع فيها وتيرة التطور التكنولوجى عالميا، وتتزايد فيها الوعود بقدرة الذكاء الاصطناعى على إعادة تشكيل القطاعات الإنتاجية والخدمية. وقراءة هذا الاندفاع لا تكتمل بمعزل عن أطر نظرية تستوعب ديناميات المنظومة العالمية.

بحسب أنموذج المركز ــ الأطراف (Core-Periphery Model)، تعد الدول المتقدمة هى «المركز» المتحكم فى أدوات الإنتاج والمعرفة (مثل الذكاء الاصطناعى ومنصاته)، بينما تشكل الدول النامية والخليجية تحديدا «الأطراف» التى تقدم رءوس الأموال كوقود للابتكار فى المركز. هذا الواقع يرسخ التبعية المعرفية ويزيد من تعرض الأطراف للمخاطر التى تنبع من قلب المركز المالى ذاته.

إلا أن هذه الحماسة المتنامية تستدعى مراجعة نقدية لأسسها؛ حيث تشير الأدلة إلى أن الارتفاع القياسى لسوق الأسهم العالمى يرتكز على فقاعة مالية ضخمة؛ وهى حالة تضخم مفرط ومضارب فى أسعار الأصول يتجاوز قيمتها الجوهرية بكثير، مدفوعا بالتوقعات لا بالأسس الاقتصادية، تقودها الاستثمارات المفرطة فى هذا القطاع، ما يولد انفصالا جوهريا بين تقييمات الشركات والحقائق الاقتصادية.

وما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يؤكد هذه الظاهرة، حيث أشارت إلى أن 80% من مكاسب الأسهم الأمريكية فى سنة 2025 جاءت من شركات الذكاء الاصطناعى وحدها. وتبرز الهشاشة من احتمال تكون «فقاعة ذكاء اصطناعى» مماثلة لفقاعة dot-com، حيث لم تحقق الأغلبية العظمى من حالات تبنى النماذج التوليدية (نحو 95%) عائدا إيجابيا على أرباح الشركات، ما يسائل فرضية الثورة الإنتاجية التى يبنى عليها السوق. وفى هذا السياق، يعد الأنموذج الاقتصادى للشركات الرائدة غير مستدام فى ظل الخسائر التشغيلية. كما أن الأدلة تشير إلى أن الانفجار الحتمى لهذه الفقاعة سيؤدى إلى أزمة مالية عالمية أشد وطأة، ولاسيما أن الاقتصاد العالمى يعانى بالفعل من تقلبات عالية وحادة فى العام 2025 بعد عودة الرئيس دونالد ترامب وتطبيقه لرسوم جمركية واسعة فى ما سماه «يوم التحرير»، وهو الأمر الذى يفاقم من ضعف التجارة العالمية ويزيد من مخاطر التصحيح المالى؛ حيث تمتد تداعيات هذه الأزمة بشكل مباشر إلى بلداننا العربية عبر خسائر متوقعة فى صناديق الثروة السيادية وتراجع حاد فى شأن الطلب العالمى على الطاقة والسلع نتيجة الركود المرتقب.

• • •

وعلى الرغم من أن الفقاعات المالية يصعب التنبؤ بلحظة انفجارها، فإن ضرورة إرساء منهجية لليقظة الاستراتيجية تفرض نفسها بقوة على القرار الاقتصادى العربي. وفى هذا السياق، يشير الخبير داريل ويست إلى مؤشرات هيكلية عدة يمكن مراقبتها لتقييم مخاطر فقاعة الذكاء الاصطناعى، وتشمل: مستويات الاستثمار فى الذكاء الاصطناعى، وتيرة بناء مراكز البيانات، تبنى التكنولوجيا، أسعار منتجات الذكاء الاصطناعى، المنافسة بين الشركات، وثقة الجمهور. ويؤكد داريل ويست أنه إذا لم يتحقق التبنى الحقيقى أو إذا تأخرت البنية التحتية اللازمة، فقد يثبت ذلك أن التوقعات الحالية مبالغ فيها بشكل جذرى. ويتجلى حجم المراهنة المبالغ فيها فى الأرقام؛ إذ تشير البيانات إلى أن إنفاق شركات التكنولوجيا الكبرى على الذكاء الاصطناعى بلغ نحو 78 مليار دولار فى الربع الثالث من العام 2025، بارتفاع قدره 89% عن العام السابق، ما دفع المؤشرات إلى التراجع الجماعى خشية أن تكون هذه الأموال بلا عائد حقيقى مكافئ.

وتبرز البيانات وجود «فجوة ضخمة»، إذ يشير تقرير شركة «باين آند كو» (Bain & Co) الصادر فى سبتمبر الفائت، إلى أنه بحلول العام 2030، ستحتاج شركات الذكاء الاصطناعى إلى 2 تريليون دولار من الإيرادات السنوية لتمويل قوة الحوسبة اللازمة لتلبية الطلب المتوقع، فى حين أن الإيرادات المتوقعة لتلك الشركات تقل بمقدار 800 مليار دولار عن هذا الرقم. ومما «يعمق الأزمة» تفاقم المخاوف بسبب المنافسة المتزايدة من الصين، حيث تغمر شركاتها السوق بنماذج ذكاء اصطناعى تنافسية ومنخفضة التكلفة، وهو ما يجعل استرداد الاستثمار الكبير فى البنية التحتية للذكاء الاصطناعى الأمريكى أمرا صعبا. ويحذر بريت تايلور، رئيس مجلس إدارة شركة أوين إيه آى قائلا: “صحيح أن الذكاء الاصطناعى سيغير الاقتصاد.. ولكننى أعتقد أيضا أننا فى فقاعة، وسيخسر كثير من الناس كثيرا من المال».

الاستعمار الخوارزمى

فى ظل هذه الأرقام العالمية، يتجلى حجم الالتزام المالى العربى؛ إذ تظهر الدول الخليجية فى طليعة المستثمرين العالميين فى الذكاء الاصطناعى؛ حيث من المتوقع أن يصل الإنفاق على التكنولوجيا فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 169 مليار دولار بحلول العام 2026، وفقا لتوقعات شركة جارتنر Gartner. فبعد زيارة الرئيس الأمريكى فى مايو 2025، تعهدت الإمارات بضخ 1.4 تريليون دولار كإطار استثمارى فى التكنولوجيا وأشباه الموصلات فى الولايات المتحدة، فيما التزمت المملكة العربية السعودية باستثمارات إجمالية بلغت 600 مليار دولار خلال أربع سنوات، مع إمكانية رفع القيمة إلى تريليون دولار.. وفى قلب هذا الاندفاع، أعلنت شركات سعودية عن التزامها باستثمار 20 مليار دولار فى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعى الأمريكية (عبر شركة داتا فولت)، إضافة إلى خطط نشر قدرات حوسبة بنحو 10 مليارات دولار بالتعاون مع شركات أمريكية (مثل شركة إيه إم دى)، وتزامن ذلك مع صفقات شراء ضخمة لشرائح الذكاء الاصطناعى من شركة إنفيديا NVIDIA. هذا الالتزام المالى الهائل يحول الاستثمار من مجرد تبادل سلعى إلى تبادل معرفى تقنى يحمل مخاطر مضاعفة، ولاسيما فى ضوء التقييمات المبالغ فيها وتركيز الاستثمار فى نقطة واحدة.

إن هذا المشهد المعقد يفرض على دولنا العربية مراجعة استراتيجية عاجلة لمسارات الاندفاع التقنى، فى إطار حماية مصالحها من التبعية لأنموذج استثمار أحادى المركز. فمن غير المقبول حضاريا أن تبقى غالبية دول المنطقة متلقيا سلبيا للتكنولوجيا، وأن يقتصر انخراط البعض الآخر على المراهنة المالية على شركات قد تكون فى قلب انهيار وشيك، ما يهدد الاستقرار الاقتصادى ويعمق الفجوات الاجتماعية. التحدى الحقيقى يكمن فى إرساء حوكمة رشيدة وضوابط أخلاقية تنظم الاستثمار وتضمن بقاء الكرامة الإنسانية والمصالح الوطنية فى قلب المعادلة.

وفى ظل هذه التداعيات، يطرح التساؤل بإلحاح: هل يمكن للقرار الاقتصادى العربى أن يتجه نحو تنويع الاستثمار فى بيئات تكنولوجية بديلة أكثر استدامة، والاستفادة من البنية التحتية للذكاء الاصطناعى الصينى كجسر لتقليل الاعتماد المفرط على الغرب؟ والأهم من ذلك، هل تتوافر الإرادة السياسية اللازمة لتفعيل التعاون العربى ــ العربى فى مجال التكنولوجيا، ودمج الجهود الاستثمارية والبشرية، لبلورة كتلة قادرة على مواجهة «الاستعمار الخوارزمى» وتجاوز التأخر البنيوى الذى يهدد مستقبلنا فى ضوء هذه الفقاعة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لم تعد رفاهية فكرية، بل هى شرط لبقاء الذات العربية الفاعلة فى عالم تعيد الخوارزميات رسم خرائط القوة والثروة فيه.

هذا التفكيك لمؤشرات الفقاعة يكشف كيف أن الأزمة التى تهدد المنطقة ليست مجرد تقلب مالى عابر، ولا مجرد نقص فى الإمكانيات المادية فحسب، بل هى صراع حقيقى بين منطقين متناقضين يكشف عنهما تحليل الأرقام: منطق رأس المال الخوارزمى الذى يسعى إلى الأرباح السريعة واللامحدودة من خلال المراهنة والمضاربة، ومنطق الدولة والمجتمع الذى يتطلب الاستدامة والتوزيع العادل للثروة والتحكم السيادى فى مسار التنمية. لقد كشف تركيز الاستثمار فى الرهانات التكنولوجية الأجنبية عن نقص هيكلى فى الرؤية الاستراتيجية القادرة على تنويع المخاطر وتوطين المعرفة. وعليه، لا يكمن تجنب التداعيات المدمرة لانهيار الفقاعة فى سحب الاستثمارات فحسب، بل فى إرساء أطر حوكمة تضمن أن كل دولار وكل خوارزمية يتم استخدامها تخدم هدف تعزيز السيادة المعرفية والعدالة الداخلية. فإذا لم نتحكم بمسار هذا الاندفاع عبر المساءلة المؤسسية، فستعيد الخوارزميات كتابة علاقات التبعية القديمة فى ثوب رقمى جديد؛ بحيث يجد العالم العربى نفسه محملا بعبء الأصول المتقادمة والتهميش المالى الذى يكرس بقاءه خارج حدود القوة العالمية.

ميرنا محمد

مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلى

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة