المرة الأولى التى رأيتُ فيها الشاعر سعدنى السلامونى كانت قبل حوالى ثلاثين عامًا، داخل مكتب الناقد الكبير الدكتور غالى شكرى، وقت رئاسته لتحرير مجلة القاهرة التى جعلها أهم مجلة فكرية فى العالم العربى.
كنتُ أقضى آخر أيام خدمتى العسكرية، ويملؤنى الحماس للعمل فى الصحافة، لذلك كتبتُ مقالًا وذهبتُ إلى المجلة. حين خرجتُ من المكتب وجدتُ شابًا فى عمر يقارب عمرى يهمّ بالوقوف، لكنه سألنى عن اسمى، ولما أجبتُ قدّم لى نفسه بثقة، قائلًا: «الشاعر سعدنى السلامونى صافحته وسبقنى إلى السلم، ثم عرض أن يرافقنى إلى الميدان. نزلنا من البناية التى تجاور فندق هيلتون رمسيس حتى وصلنا إلى التحرير»، وهناك سألنى: «كيف تعرّفتَ على محررى المجلة؟».
فأخبرته بأننا جميعًا من رواد مقهى زهرة البستان، فسألنى من جديد: لماذا لا نذهب إلى المقهى ونجلس هناك فى انتظار عودة محررى المجلة، لعلهم يخبروننى بموعد نشر المقال؟
وهكذا شربتُ أول مقلب من سعدنى، الذى لم يتوقف طوال كل تلك السنوات عن تضليلى بقصص وأكاذيب طريفة تهلك من الضحك.
كانت أولى مقالبه أو أكاذيبه اللذيذة حول الحروب التى يشنها ضده الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى، لأنه يخشى من سعدنى على مكانته، كما أخبرنى عن مؤامرة يقف خلفها شعراء آخرون أصابتهم الغيرة من قصيدته «نجّار سواقى»، التى رفعت توزيع أخبار الأدب بعد أن نشرها الروائى الراحل جمال الغيطانى، الذى تلقى بعدها اتصالًا من جابرييل جارسيا ماركيز مبديًا إعجابه بما فيها من واقعية سحرية تمشى على ذات النهج الذى ابتكره صاحب «مئة عام من العزلة».
وبعد أن اطمأنّ لى يومها، أخرج من حقيبته صورة ضوئية لحوار أجراه الروائى يوسف القعيد مع نجيب محفوظ، جاء فيه ذكر شعر السلامونى، وكان ذلك فى حضور الدكتور يحيى الرخاوى، أستاذ الطب النفسى المعروف، والذى وصفه السلامونى بالصديق العزيز.
لم يكن من الصعب يومها إدراك طبيعة شخصية سعدنى. كنتُ قد قرأت قصيدته وأحببتُ ما فيها من خيال طليق، رغم ما تحفل به من فوضى أو عثرات فى البناء، لكن البعض عدّها طفرة جمالية تمهّد لكتابة جديدة.
مضت سنوات، لكنى لم أنسَ أبدًا ردّ فعله على موضوع كتبته فى الإصدار الأول من جريدة الدستور تحت عنوان «إلى نوبل يا سعدنى»، نقلتُ فيه تشنيعة رواها أحد جيرانه، أكد فيها أن سعدنى حمل جردل بويات وأغرق جدران قريته بعبارة تمنى فيها الحصول على نوبل.
لم يغضب منى ليلة صدور الجريدة، بل احتضننى وأنا أدخل أتيليه القاهرة، الذى لم يكن يغادره أبدًا، ثم طلب من الدكتور شاكر عبدالحميد ثمن عدة نسخ ليحملها إلى أهل قريته.
بعدها بشهور قابلته فى حديقة المقر القديم للمجلس الأعلى للثقافة، بعد أن اتصل بى لأشهد واقعة اعتصامه بغرض نشرها موثقة بالصور. فقد جاء محتجًا على عدم حصوله على منحة تفرغ، لكنى أخبرته بأن اتحاد الكتاب هو أفضل مكان لاعتصامه، لأنه نقابة كتاب وليس مؤسسة حكومية. ومرة أخرى نجحت الخطة، وحصل على منحة التفرغ بقرار استثنائى ظل معه لسنوات تعمقت خلالها معرفتى به.
أحببتُ دائمًا طابعه الفاجومى وقدرته على التحايل ومغالبة ظروف الحياة بابتسامة عذبة، واجه بها الدنيا التى لم تساعده على استكمال تعليمه وتحسين أحواله، لولا وجود أسماء مهمة ناصرته ووقفت معه، من أمثال الراحلين الدكتور شاكر عبدالحميد، وطلعت الشايب، ومحمد مستجاب، وفتحى عبدالله، وهؤلاء نظروا إليه كنموذج عصامى ينبغى دعمه.
تباعدت الأيام والمسافات، وظلت اللقاءات شحيحة، ولم ننجُ لا أنا ولا غيرى من شتائمه ومعاركه الصغيرة. وكان يأتى إلى مكاتبنا ويشتمنا دون أن نغضب منه، لأننا كنا ندرك أن شكواه لا تأتى أبدًا من أرض الضغينة، وأن ما فيها هو أثر الشقاء.
كنا نلتقى مصادفة ونستذكر معًا روح الشاعر فتحى عبد الله وكرم وحيد الطويلة، الذى ظل حريصًا على رعاية سعدنى إلى أن أقنعه بالزواج من قريبة له، عاشت معه فى الشقة التى حصل عليها فى مساكن الشباب بالقاهرة الجديدة، بدعم من خالد محيى الدين أو الدكتور رفعت السعيد، وذلك استجابة لمناشدات من أسماء كبيرة كانت تحب السلامونى وتتحمل مقالبه وأساطيره، التى قادته لكتابة بعض التدوينات حول أعمال فنية لأحد الوزراء السابقين ولغيره، معتقدًا أنها نظرية جديدة فى تفسير الأعمال الفنية، ولأن بيننا من أراد مساعدته، فقد نُشرت تلك التدوينات فى كتب تقاضى عنها مكافآت بسيطة أعانته على ظروف الحياة.
أكتب هذه السطور بأمل أن تساعد فى كشف شخصيته أمام رجال القانون، وتسهم فى إخلاء سبيله بعد احتجازه فى أحد أقسام الشرطة بالقاهرة الجديدة، بسبب فيديو بثه على مواقع التواصل الاجتماعى، انتقد فيه صور العشوائية والفوضى التى تحاصر العمارة التى يسكنها.
كعادته، خبط سعدنى الكلمتين دون أن يكون على علم بتبعات الاتهامات التى ساقها جزافًا، ما دفع جهات التحقيق - كما قرأت - إلى اتهامه بالمرض النفسى والإشارة إلى ما يعانيه من خيالات وضلالات، وهو توصيف قد يضر تمامًا بظروفه الصحية، لأنه يعانى من أمراض جسمانية وليست نفسية، تجعل حياته ذاتها مهددة بالخطر.