نشرت جريدة "واشنطن بوست" الأمريكية مقالًا للكُتاب ليو ساندز، وكيت برادى، وإلين فرانسيس وتوبى راجى، يوضحون فيه أن العلاقات بين واشنطن وأوروبا تواجه أزمة دبلوماسية حادة إثر تهديد الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية عقابية لإجبار الدنمارك على بيع إقليم جرينلاند، وهو ما قوبل برفض أوروبى موحد وتحذيرات من «انحدار خطير» يهدد وحدة حلف الناتو. وبينما تدرس بروكسل خيارات الرد الاقتصادى، يبقى التوتر سيد الموقف وسط انقسام داخلى فى واشنطن حول قانونية وجدوى هذا الاستحواذ القسرى.. نعرض من المقال ما يلى:
عقد القادة الأوروبيون اجتماعًا طارئًا فى بروكسل الأحد الماضى، لبحث الخيارات المتاحة للرد على تهديدات الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على ثمانى دول (هم الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا) ما لم تذعن لمساعيه الرامية للاستحواذ على جرينلاند، ومن المقرر عقد قمة أوروبية أخرى فى بروكسل، غدًا، لتنسيق الرد على التهديدات الترامبية، كما جاء على لسان رئيس المجلس الأوروبى أنطونيو كوستا.
سيكون الرد الأوروبى اختبارًا حاسمًا لدبلوماسييها، فى وقت يسعون فيه للموازنة بين ضرورة الدفاع عن السيادة الأوروبية، وإدارة العلاقات الحساسة مع واشنطن، ومراعاة الضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية.
فى هذا الصدد، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن دبلوماسيين أوروبيين - تحدثا شريطة عدم كشف هويتهما لمناقشة مسألة حساسة - قولهما إن الدول الأوروبية تدرس فرض رسوم جمركية أو اتخاذ تدابير تستهدف الشركات الأمريكية التى تقدم خدماتها لسوق الاتحاد الأوروبى.
تضغط فرنسا على التكتل الأوروبى لاستخدام أداة تُوصف بأنها «بازوكا» التجارية - أداة مكافحة الإكراه الاقتصادى - والتى من شأنها أن تسمح باستهداف أو تقييد الخدمات الأمريكية فى أوروبا. لم يتم تفعيل هذه الأداة منذ اعتمادها فى عام 2023؛ إذ أحجمت العواصم الأوروبية عن استخدامها العام الماضى خلال حرب الرسوم الجمركية مع ترامب لتجنب حدوث تصعيد كبير.
فى بيان صدر فى وقت سابق من يوم الأحد الماضى، أكدت الدول الثمانى وقوفها صفًا واحدًا مع الدنمارك وجرينلاند، وحذرت من أن العلاقات مع واشنطن تسير فى مسار خطر.
وجاء فى نص البيان: «نحن مستعدون للانخراط فى حوار يقوم على مبادئ السيادة وسلامة الأراضى، إن التهديد بالرسوم الجمركية يقوض العلاقات عبر الأطلسى ويخاطر بحدوث انحدار خطير».
فيما قد يُعد تنازلًا واحدًا لترامب، أعلنت ألمانيا أنها بصدد سحب العدد القليل من القوات التى سبق ونشرتها فى جرينلاند، وصرح متحدث باسم القيادة العسكرية الألمانية فى بيان قائلًا: «لقد اكتملت مهمة الاستطلاع فى جرينلاند كما كان مخططًا لها. تم الحصول على رؤى مهمة، وسنستخدمها الآن لتنسيق إجراءات مشتركة محتملة مع شركائنا وضمن إطار حلف الناتو لتعزيز الأمن فى شمال المحيط الأطلسى والقطب الشمالى».
إن التهديد بالاستيلاء على إقليم سيادى تابع للدنمارك رغمًا عن إرادتها يهدد بكسر حلف الناتو بشكل جذرى، وهو ما ذكر دبلوماسيون أوروبيون أنه سيؤدى إلى انقسام الغرب ومنح الجرأة لموسكو وبكين.
قالت «كايا كالس»، مسئولة السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى، يوم السبت الماضى: «من المؤكد أن الصين وروسيا تعيشان يومًا حافلًا بالانتصارات؛ فهما المستفيدتان من الانقسامات بين الحلفاء».
• • •
لا تزال هناك تساؤلات حول كيفية تطبيق هذه الضرائب الجمركية، بانتظار قرار المحكمة العليا الذى قد يحد من صلاحيات ترامب القانونية فى هذا الشأن. ومن جهتهم، أكد المسئولون فى بروكسل أن أى رسوم تستهدف دولًا أوروبية محددة ستؤثر تلقائيًا على كامل الاتحاد الأوروبى، كونه يمثل سوقًا وجمركًا واحدًا.
فى نهاية المطاف، فإن الشركات والمستهلكين الأمريكيين هم من يسددون هذه الرسوم للجمارك الأمريكية عند استيراد البضائع. ومع ذلك، دافع المسئولون فى إدارة ترامب يوم الأحد الماضى عن هذه الخطوة، معتبرين إياها ضرورية للأمن القومى.
«لو وقع هجوم على جرينلاند من قِبل روسيا أو من أى منطقة أخرى، فسننجر إلى ذلك الصراع. لذا، الأفضل الآن هو تحقيق السلام من خلال القوة بجعلها جزءًا من الولايات المتحدة»، هذا ما صرح به وزير الخزانة الأمريكى «سكوت بيسنت» لبرنامج «Meet the Press» على شبكة NBC، مضيفًا: «سيعدل القادة الأوروبيون عن مواقفهم وسيفهمون أنهم بحاجة إلى أن يكونوا تحت مظلة الأمن الأمريكية».
من جانبها، قالت «أرميدا فان ريج»، خبيرة الأمن فى مركز الإصلاح الأوروبى (Center for European Reform)، إن أوروبا فى وضع هش وحساس للغاية بينما تواصل روسيا حربها فى أوكرانيا- وهو عامل آخر يتعين على الدبلوماسيين مراعاته. وأضافت «فان ريج»: «إنهم محقون فى قلقهم الشديد من قيام [ترامب] ببيع أوكرانيا لروسيا من وراء ظهورهم وظهور الأوكرانيين».
كما أعربت «فان ريج» عن شكوكها بشأن ادعاء ترامب بأن الاستحواذ على جرينلاند ضرورة لأغراض أمنية، قائلة: «لو كان الأمر يتعلق حقًا بمخاطر أمنية وشيكة حول جرينلاند وفى القطب الشمالى، لكان قد رحب بالجهود الأوروبية».
• • •
وفى غضون ذلك، يبذل المشرعون الأمريكيون جهودًا حثيثة لبلورة موقف موحد تجاه مساعى ترامب بشأن جرينلاند؛ حيث ظهر انقسام لافت فى الأروقة السياسية. فبينما أعرب فريق من الجمهوريين عن دعمهم لفكرة الاستحواذ عبر صفقات شراء مع رفضهم القاطع لأى خيار عسكرى، اصطف فريق آخر مع الديمقراطيين فى جبهة معارضة نددت بمحاولة الاستملاك، معتبرين تبريرات الأمن القومى المقدمة غير كافية وغير مقبولة.
قال السيناتور الجمهورى «راند بول» (من ولاية كنتاكي) فى برنامج «Meet the Press»: «لا توجد أى حالة طوارئ تتعلق بجرينلاند، هذا أمر مثير للسخرية».
من جانبه، وصف السيناتور الديمقراطى «كريس فان هولين» (من ولاية ماريلاند) مبرر الأمن القومى بأنه «خدعة» للتغطية على هدف ترامب الحقيقى، وهو الاستحواذ على الموارد. وقال «فان هولين» لشبكة «ABC News»: «الأمر لا يتعلق بالأمن، بل بمحاولة للاستيلاء على الأراضى. دونالد ترامب يريد وضع يده على المعادن والموارد الأخرى فى جرينلاند، تمامًا كما كان السبب الحقيقى وراء تدخله فى فنزويلا».
جدير بالذكر أن الرئيس ترامب بعث إلى رئيس وزراء النرويج جوناس جار ستور، رسالة أول أمس مفادها، أنه لم يعد ملزمًا بالعمل فقط من أجل السلام بعد عدم منحه جائزة نوبل، كما أن العالم لن ينعم بالأمن ما دام أن جرينلاند ليست بين أيدى الولايات المتحدة.
خلاصة القول، بينما تلوح فرنسا بسلاح «البازوكا التجارية»، وتتمسك الدنمارك بسيادتها، تبقى وحدة حلف الناتو على المحك أمام إصرار واشنطن على مبدأ «السلام من خلال القوة». ومع استمرار الانقسام داخل الكونجرس الأمريكى، يترقب العالم ما إذا كان الدبلوماسيون سينجحون فى نزع فتيل الأزمة أم أن العلاقات عبر الأطلسى ستدخل بالفعل فى «انحدار خطير» لا يستفيد منه سوى الخصوم الدوليين.
إعداد وتحرير: وفاء هانى عمر