x قد يعجبك أيضا

دوافع وتداعيات ‏الاختطاف الأمريكى ‏لرئيس فنزويلا

الثلاثاء 20 يناير 2026 - 7:05 م

 

‏لقد نجح الرئيس الأمريكى، بعملية مخابراتية عسكرية، باختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته من غرفة نومهما فى القصر الجمهورى، وعدم تكبد خسائر سواء فى أفراد الفرقة الأمريكية المهاجمة أو الطائرات أو المعدات العسكرية التى استخدمتها. وهذا يدل بوضوح على تعاون عناصر من داخل السلطات الفنزويلية وإمداد المخابرات الأمريكية بكل المعلومات التفصيلية عن تحركات مادورو وزوجته ومكونات القصر الجمهورى وحراسته.

لم يبال ترامب بأن عملية الاختطاف هذه تمثل خرقا صارخا للقانون الدولى الذى يفترض أنه يوفر حماية قانونية لسيادة واستقلال فنزويلا، وحصانة لرئيسها فى مواجهة الدول الأخرى، وأن مسألة إسقاط حكمه شأن فنزويلى داخلى. لكن ترامب اعتمد فى عملية اختطاف مادورو وزوجته على عدة عوامل، منها أن هذه ليست السابقة الأولى لعملية اختطاف أمريكى للرؤساء، فقد سبق تكرارها وكان آخر اختطاف لرئيس بنما نورييجا فى ٣ يناير ١٩٩٠ عندما لجأ إلى سفارة الفاتيكان فى بنما، خرقًا للحصانة الدبلوماسية للسفارة وخرقًا لسيادة بنما واستقلالها. ومصادفة أن يكون اختطاف مادورو فى ٣ يناير ٢٠٢٦، وبنفس التهم الموجهة لنورييجا، وهى تجارة المخدرات، والتعاون مع منظمات إرهابية، والفساد وعدم احترام الديمقراطية، وتهديد الأمن الأمريكى. وهذه التهم هدفها التغطية على استخدام القوات الأمريكية فى الاعتداء على دولة أخرى دون موافقة الكونجرس الأمريكى واعتبارها عملية محدودة من صلاحيات الرئيس لحماية الأمن القومى الأمريكى.

لذا يلاحظ أن ترامب ‏حرص على تقديم رئيس فنزويلا ‏المختطف إلى المحاكمة الأمريكية العاجلة فى نيويورك بحجة التهم الإجرامية الموجهة إليه والتى نفاها مادورو أمام المحكمة. وقد سارع الكونجرس الأمريكى بإصدار قرار من مجلس الشيوخ بأغلبية ٥٢ عضوًا من إجمالى مئة عضو، بمنع الرئيس ترامب من القيام بأى عملية عسكرية ضد فنزويلا إلا بموافقة الكونجرس.

وبدأت الاتصالات بين الإدارة الأمريكية ورئيسة فنزويلا بالإنابة ديلسى رودريجس، والتى أبدت استعدادًا للتفاهم، وطالبت بالإفراج عن الرئيس المختطف مادورو. ويلاحظ أن شقيقها هو رئيس البرلمان الفنزويلى، حيث إن اختطاف رئيس فنزويلا لم يؤدِ حتى الآن إلى أى تغيير فى نظام الحكم، رغم تدخل ترامب لمنع إجراء انتخاب رئيس جديد خلال ٣٠ يومًا من اختطاف الرئيس السابق وفقا للدستور الفنزويلى، وهذا تدخل فج من جانب ترامب الذى أعلن أنه سيحكم فنزويلا، ولن تجرى فيها انتخابات إلى أن يتم إصلاحها وتعافيها وإعادة تأهيل البنية الأساسية لإنتاج البترول عن طريق الشركات الأمريكية التى اجتمع ترامب مع رؤسائها الذين طلبوا تأمين وضمان استثماراتهم الضخمة المطلوبة لإعادة البنية الأساسية لإنتاج البترول فى فنزويلا. وهذا يمثل قيدًا قويًا على احتمالات قيام ترامب بأى عمل عسكرى موسع ضد فنزويلا يثير المقاومة والإضرابات ويحد من عودة شركات البترول الأمريكية للعمل فى فنزويلا، إلى جانب اشتراط موافقة الكونجرس الأمريكى. 

• • •

أعلن وزير الحرب الأمريكى أن من أهم أهداف عملية الاختطاف السيطرة الأمريكية على بترول فنزويلا ‏بما لديها من أكبر احتياطى للبترول فى العالم والمعادن النادرة. وأعلن ترامب أنه سيحصل على ما بين ٣٠-٥٠ مليون برميل بترول فنزويلى سيكون عائدها تحت سيطرته ليتقاسمه -وفقا لرؤيته- مع فنزويلا. وهدف ترامب تعويض شركات البترول الأمريكية التى سبق أن أممتها فنزويلا، وعدم تصدير البترول الفنزويلى إلى الصين، وتحسبا منه من أن الصين يمكن أن تعوض ما كانت تستورده من فنزويلا باستيراده من إيران وروسيا، مما دفع ترامب إلى إعلان فرض جمارك بنسبة ٢٥٪؜ على الواردات الأمريكية من الدول التى تتاجر مع إيران بمخالفة العقوبات الأمريكية عليها. وهذا أمر صعب تطبيقه على دول منها الإمارات العربية المتحدة، وتركيا والهند، لما لهما من علاقات تجارية وثيقة مع إيران. ولم يحقق سلاح فرض جمارك عالية على الواردات الأمريكية تحسنا فى الاقتصاد الأمريكى الذى يعانى من مشكلات عديدة يحاول ترامب التغطية عليها بمغامراته الخارجية غير المحسوبة. وهل سيوقف ترامب عضوية فنزويلا فى منظمة أوبك للدول المصدرة للبترول، وهى عضو مؤسس لها، حتى يمكن للشركات الأمريكية التى ستعمل فى فنزويلا تخطى سقف الإنتاج المحدد لها فى إطار الأوبك، وما سيترتب على زيادة إنتاج فنزويلا من البترول من زيادة العرض وانخفاض أسعار البترول عالميًا أم أن الجانب الأمريكى سيلجأ إلى تخزين أكبر جزء من البترول الفنزويلى فى المخازن الأمريكية كما سبق أن فعل ذلك لسداد ديون المكسيك بالبترول فى ثمانينيات القرن العشرين؟

• • •

‏أما عن ‏اتهام الرئيس المخطوف مادورو‏ بالإتجار فى المخدرات والتسبب فى موت مئات من الأمريكيين، فإنه لا سند عملى لهذه التهمة لأن فنزويلا ليست من الدول اللاتينية المنتجة للمخدرات، ومثلث إنتاج مخدرات الكوكايين يتكون من البيرو، وبوليفيا، وكولومبيا، حيث يزرع فيها نبات الكوكا الذى يستخرج منه الكوكايين. وهو نبات شعبى قديم يستخدم مثل الشاى وفى الطعام وتصنع منه أدوية فى مرحلة النقاهة بعد العمليات الجراحية وللنساء بعد الولادة، ويتم تصديره رسميا فى صورته الطبيعية لعدة دول لصناعة الأدوية. وإن تصنيع كيلو جرام كوكايين يحتاج نحو طن من نبات الكوكا. وسبق أن حاولت عدة إدارات أمريكية سابقة تقديم مساعدات مالية ولوجستية وخبرات بشرية للدول الثلاث لمنع زراعة نبات الكوكا أو تصنيع الكوكايين، لكنها لم تنجح لارتباطه بالثقافة الشعبية العامة فى هذه الدول خاصة فى المناطق المرتفعة عن سطح البحر. والأحرى فشل ترامب وإدارته أن يمنعوا المستوردين الأمريكيين للمخدرات باعتبار أن السوق الأمريكية، هى الأكبر فى العالم فى استهلاك جميع أنواع المخدرات.

أراد ترامب بعملية فنزويلا استعراض مدى‏ قوته وقدرته على إعادة أمريكا اللاتينية تحت السيطرة الأمريكية وإخراج المنافسين منها خاصة الصين وروسيا، وجعل فنزويلا درسًا للآخرين. ولكن ما حدث كانت له آثار سلبية للغاية خاصة لدى الشعوب اللاتينية، وفى مقدمتها شعب فنزويلا رغم معاناته من تدهور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والانقسام الشديد بين المعارضة ومؤيدى النظام، ورغم الفساد وتفشى المحسوبية والرشاوى، واضطرار أعداد كبيرة للغاية من الفنزويليين إلى الخروج من بلادهم بحثًا عن حياة أفضل. كما أن دول أمريكا اللاتينية تأخذ بمبدأ الخروج الأمن الذى نشأ فيها منذ زمن الانقلابات فى الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وهو الخروج الآمن للحكام المغضوب شعبيًا عليهم أو عسكريًا ولجوئهم إلى دول أخرى، وأن ما حدث مع الرئيس مادورو يمثل إهانة كبيرة لفنزويلا وشعبها، ويثير حفيظة شعوب الدول اللاتينية الأخرى بغض النظر عن تأييد أو ترحيب حكام بعض الدول اللاتينية من اليمين المتطرف فى الأرجنتين والإكوادور وغيرهما، وتحفظ البعض الآخر على أساس أن نظام حكم مادورو كان فاقدًا لصلاحيته ومصداقيته إلا أن تغييره لا يجب بأى حال أن يتم بعملية اختطاف أمريكية.

‏كما أن الوجود الصينى فى أمريكا اللاتينية قائم على أساس العلاقات الاقتصادية والتجارية وقدرتها على منافسة المنتجات الأمريكية ومن الصعب للغاية أن يستطيع ترامب إبعادها أو الحد من وجودها. أما روسيا فإن وجودها فى الدول اللاتينية اليسارية يعتمد على التعاون العسكرى وبعض العلاقات التجارية ولا تتدخل هى والصين فى الشئون الداخلية وليس لها مطالب سياسية أو أمنية تتعارض مع سياسات هذه الدول.

وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية لم تحسن استخدام الإطار التنظيمى الذى يجمعها مع دول الأمريكتين، وهو منظمة الدول الأمريكية، والتعاون العسكرى والمناورات العسكرية السنوية المشتركة، وقرب المسافة، فإنها لن تستطيع تعويض هذا القصور من جانبها عن طريق استخدام القوة أو التهديد بها، وستظل المنافسة معها قوية سواء من جانب الصين وروسيا، أو حتى من جانب دول الاتحاد الأوروبى.

• • •

الحقيقة أن الخسارة التى لحقت بإدارة ترامب ‏ومصداقيتها سواء فى أمريكا اللاتينية أو مناطق العالم المختلفة، أكبر بكثير من أى مكاسب يتصور ترامب أنه حققها. وأثبتت التجارب العملية أن اتباعه سياسة إرباك الآخرين وإثارة الأزمات للحصول على شروط تفاوضية أفضل، أنها تأتى فى معظم الحالات بنتائج عكسية حتى من أقرب الحلفاء لأنها لا تقوم على دراسات جدية تأخذ فى الاعتبار المتغيرات التى حدثت فى العالم بفضل تكنولوجيا الاتصالات وثورة المعلومات وزيادة الاعتماد المتبادل بين دول العالم وتعدد مراكز القوى العالمية، وإنما تقوم على تصورات أو افتراضات انتهى زمنها.

كما أن ترامب لن يستطيع بتهديد الآخرين التغطية على مشاكل الولايات المتحدة وأن زمن سيطرتها على العالم لم يعد قائمًا، وأن الصين فى صعود مستمر، وروسيا فى صمود فى حربها مع أوكرانيا وحلفائها، والاتحاد الأوروبى فى خلافات متزايدة مع إدارة ترامب تهدد التحالف بينهما، لأن ترامب لم يحقق السلام فى العالم كما وعد، بل أشعل الأزمات فى كل مكان، وأثار اضطرابات اقتصادية وأمنية وسياسية غير مسبوقة.

 

مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة