رحلة إلى حماطة!

الثلاثاء 20 يناير 2026 - 7:02 م

 

قبل سنوات قليلة خلت، ارتحلت إلى جبل حماطة. دعنى أصارحك أنه ليس بوسع أى مسافر هنا أن يجمع الصحيح من المعلومات مهما قرأ فى الكتب وأجهد النظر فى الخرائط.

نقطة البداية هى أهل الصحراء، ونحن هنا فى حضرة العبابدة، وهم آخر المقاومين من «مخبرى» الصحراء.

المخبر أو الإخبارى هو من ينقل لك أخبار المكان وعلومه عند مستوياته الثلاث: الماضى، الحاضر، والمستقبل.

الماضى عريق ومزدهر بالقصص والأساطير، والحاضر يجمع بين الرضى والتفاؤل وقليل من الحذر والتوتر، أما المستقبل فغامض وقلق منذ أن أصبحت الصحراء محط المزيد والمزيد من الغرباء.

أما أن العبابدة والبشارية هم آخر المقاومين فذلك حق وصحيح لأن الحداثة التى جلبت المناجم والمحاجر والسياحة طغت على الصحراء، أما المشكلة الكبرى فأطماع الدهابة الآخذة فى طمس اللاندسيكيب بكل ما أوتيت من قوة ومن عدة وعتاد.

فى عام 1906 دخلت السيارة لأول مرة إلى الصحراء الشرقية، وحينها تنبأ الإنجليزى آرثر ويجول ــ كبير مفتشى آثار الوجه القبلى ــ بأن السيارة ستجلب الخراب على الصحراء الشرقية.

كان ويجول يقصد بالخراب تدمير البيئة النباتية والحيوانية.

فى عام 1906، عندما ألف ويجول كتابه المعنون «كنوز الصحراء الشرقية» كانت الصحراء الشرقية محتفظة بصورتها التى كانت عليها قبل ألفى سنة.

نحن الآن فى عام 2022، عند جبل حماطة فى الصحراء الشرقية، وقد صعدنا مسافة بعيدة طويلة حتى نتمكن من الوصول إلى مكان «لم تمسسه يد الغرباء».

فى الصورة المرفقة، يجلس أصحابنا من العبابدة عند ينبوع مياه متدفق من جبل حماطة.

المياه فى الصحراء من الأمطار الموسمية، وهى على ثلاثة أشكال:

1- عيون شبه متجددة، تحفظها الصخور النارية والرسوبية. وهى لا تتدفق من باطن الأرض الجوفى (كما فى الصحراء الغربية) بل من شقوق وفوالق الجبال. هذه المياه المختزنة فى الشقوق هى ابنة الأمطار السيلية من أثر العواصف الممطرة، والتى هربت بين الشقوق والفواصل والفوالق ثم خرجت فى خور من الأخوار الصخرية فى شكل ينبوع صاف من المياه.

2- الآبار، وهذه يحفرها الإنسان فى بطن الوادى الرسوبى الرملى. وإذا كانت العيون ينابيع فى أعلى الجبل، فإن الآبار مياه مختزنة فى بطن الوادى.

قبل قرن من الزمن كان عمق الآبار يتراوح بين نصف متر وسبعة أمتار. غير أنه مع دخول مزيد من الغرباء إلى البيئة الإيكولوجية للصحراء (شركات تعدين ــ محاجر ــ شركات سياحة ــ صيد برى جائر ــ زيادة استهلاك العبابدة للمياه مع تغير نمط الحياة) تضاعفت الحاجة إلى المزيد من الآبار الجديدة وإلى تعميق الآبار القديمة، فغارت أعماقها أحيانا إلى 70 مترا أو أكثر.

3- القلوت، وهى أحواض صخرية. وكلمة قلوت جمع كلمة «قلت» ويستخدمها العبابدة والبشارية للإشارة إلى المياه التى انحدرت من النوع الأول (العيون الصخرية) إلى مستويات أدنى فى الوادى الصخرى الصلب فى أعالى الجبال.

فى دراسته لجنوب شرق مصر فى عام 1913 يقول الجيولوجى/ الجغرافى العبقرى جون بول إن العبابدة والبشارية كانوا يتعاملون مع هذه المصادر الثلاثة وفق ترتيب الأهمية الزمنى على النحو التالى:

- ما إن تنتهى أمطار السماء التى اندفعت كأفواه القرب حتى يسارع العبابدة والبشارية إلى الاعتماد على القلوت (الأحواض الصخرية الطبيعية) لأنها الأسرع فى النفاد والأقرب للتبخر. ويظل اعتمادهم عليها لمدة شهرين أو ثلاثة ما دامت الصحراء لم تسخن بعد للدرجة التى تبخر مياه القلوت.

- مع نفاد مياه القلوت وتبخرها ينتقل عرب الصحراء إلى الينابيع والعيون فى رءوس الجبال وتستمر معهم بضعة أشهر أخرى ولعلها تكفيهم فى تجوالهم لعام أو أكثر.

- مع ضعف تدفق الينابيع الصخرية لنفاد كمية الأمطار المختزنة فى الصخر ينتقل عرب الصحراء إلى الآبار فى بطون الأودية.

وقد لاحظ جون بول أنه بعد سقوط العواصف السيلية تجرف السيول الصخور وتطمر بها فوهات الآبار.. دون أن يحرك العرب ساكنا.

يعرف جون بول لاحقا أن هذا التصرف من العرب متعمد وحكيم لحماية هذه الآبار لحين اللجوء إليها بعد نفاد مياه كل من القلوت والعيون.

تستطيع الآبار أن تكفى العرب بالمياه لعدة أعوام لحين اندلاع العواصف المطرية التالية.

لا يوجد تاريخ محدد لانتظار العواصف الممطرة، فقد تأتى بعد عام أو ثلاثة أو سبعة أو تسعة.

وكلما تباعدت فترة العواصف الممطرة المكونة للسيول ساءت أحوال العرب واعتمدوا على مياه رديئة وآبار مالحة.

فى عام 2022 حين صعدنا إلى هذه العيون عند رأس جبل حماطة كنا قد أخذنا معنا مياه فى قوارير تعبئها شركات مياه من «النيل» لكن فى عام 1913 كان جون بول الذى أمضى عامًا كاملًا من التجوال مع العبابدة والبشارية بين الآبار مضطرًا لشرب المياه المالحة.

يوثق جون بول ما أصابه ورجاله من عرب الصحراء من إسهال بسبب بعض الآبار، وما أصابهم من إمساك بسبب رداءة مياه آبار أخرى.

لاحظ جون بول أن البشارية يضيفون حليب الماعز إلى هذه المياه لتخفيف آثارها المضرة (إسهالا ويعنى إعياء وضعفا.. وإمساكا ويعنى تعبا ومشقة وارتباكا فى العمل).

يقول جون بول إنه أضاف إلى المياه فى بير شلاتين بعضا من الحليب مثله مثل البشارين فأصبحت المياه مقبولة.. ثم صارت مستساغة حين أضاف إليها بعضا من البراندى.. الذى كان يخفيه عن عيون عرب العبابدة والبشارية والذين لا يمسون هذه المشروبات الروحية.

نعود إلى الصورة التى أخذتها فى عام 2022، كنت حينها أجمع معلومات لكتاب عن جغرافية الصحراء الشرقية، وفى نفس الوقت أساعد اثنين من باحثى الدكتوراه (جامعة القاهرة وجامعة جنوب الوادى).

نحن هنا فى حضرة حماطة وهو جبل بالغ الأهمية والشهرة، يبلغ ارتفاعه نحو 1800 متر. ولكننا لم نصعد إلى قمته العالية الشاهقة، بل توقفنا هنا عند ينبوع المياه على ارتفاع 600 متر.

يعتبر جبل حماطة نقطة تقسيم مياه بين الأودية التى تتجه نحو البحر الأحمر شرقا وتلك التى تتجه نحو وادى النيل غربا.

وبما أن نهر النيل ينتهى إلى البحر المتوسط، فيمكنك التوسع فى التشبيه فتقول إن جبل حماطة يوزع المياه بين البحرين الأحمر والمتوسط.

أشهر الأودية المنحدرة من جبل حماطة نحو البحر واد يحمل اسم الجبل «وادى حماطة». وقد أقيمت عند مصبة قرية صغيرة لعرب العبابدة فى هذا الجبل، كانت فى الأصل من الخشب والصفيح، ثم تحولت مؤخرًا إلى مبانٍ بالطوب الملون بعد أن جاءت إليها رحلات أجنبية للصيد والغوص واستكشاف أعماق البحر.

أما أشهر الأودية التى تنبع من حماطة وتتجه غربا نحو النيل (ومن خلفه المتوسط) فواد شهير عظيم كبير فسيح يسمى وادى «الخريط»، ينتهى عند سهل كوم أمبو فى شمال أسوان، والذى أقيمت فيه قرى التهجير لأهلنا فى النوبة فى أعقاب شق بحيرة ناصر وغمر البحيرة لبلاد النوبة.

وإلى لقاء قريب فى رحلة أخرى نلتمس فيها «التكامل الجغرافى» بين الأرض والإنسان.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة