x قد يعجبك أيضا

حسام حسن خطر على السياسة الخارجية المصرية

الثلاثاء 20 يناير 2026 - 7:00 م

 

لقد اعتاد قارئ هذه المساحة على قراءة محتوى يتناول الشئون الخارجية والتحولات الجيوسياسية والتغيرات المتسارعة على الساحة الدولية، وقد يوحى العنوان للوهلة الأولى بأننا بصدد حديث رياضى صرف، يتعلق بإخفاقات المنتخب المصرى لكرة القدم أو بخيارات الجهاز الفنى. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فهذا المقال فى صلب السياسة الخارجية المصرية، التى تُعد الرياضة إحدى أهم أدواتها، نظرًا لكونها المجال الأكثر جماهيرية وتأثيرًا، حيث يتابعها السواد الأعظم من الشعوب، من عالمنا العربى والإفريقى إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا.

فى عالم اليوم، لم تعد الرياضة نشاطًا ترفيهيًا أو منافسة فنية معزولة عن السياسة، بل أصبحت أحد أعمدة ما يُعرف بالدبلوماسية الرياضية، وهى أداة ناعمة بالغة التأثير فى ترسيخ مكانة الدول، وبناء صورتها الذهنية، وفتح قنوات تواصل تتجاوز أحيانًا ما تعجز عنه البيانات الرسمية والاتفاقيات الدبلوماسية.

• • •

 من هنا تنبع خطورة أن يتولى قيادة المنتخب الوطنى لاعب كرة سابق، معروف بانفلات تصريحاته، وحدّته الانفعالية، وافتقاره إلى سجل تدريبى يوازى ثقل المنصب الذى يشغله، وهو المدير الفنى لمنتخب مصر، أحد أهم الرموز السيادية الناعمة للدولة.

التصريحات التى صدرت عن حسام حسن فى مؤتمرات صحفية مختلفة، وما حملته من نبرة شوفينية وعنصرية، وعلى رأسها القول باستعلاء مستفز للآخرين إن «مصر أم العرب وأم إفريقيا»، لا يمكن التعامل معها بوصفها زلات لسان عابرة. هذه العبارات، التى رافقت بطولة الأمم الإفريقية التى استضافها المغرب الشقيق مؤخرا، أسهمت فى توتير أجواء رياضية كان يُفترض أن تكون مساحة للتقارب والاحترام المتبادل، وألحقت ضررًا حقيقيًا بصورة مصر فى محيطها العربى والإفريقى. الأخطر من ذلك أنها تتناقض بشكل صارخ مع التوجهات المنفتحة والمتزنة للسياسة الخارجية المصرية تجاه دوائرها الحيوية.

• • •

لقد استثمرت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية جهودًا مضنية لإعادة ترسيخ حضورها فى الدائرتين العربية والإفريقية. ظهر ذلك بوضوح فى الدبلوماسية الرئاسية النشطة، من خلال الزيارات المكثفة للرئيس عبدالفتاح السيسى إلى دول إفريقية غابت عنها الرئاسة المصرية لعقود، والمشاركة الفاعلة فى القمم والمنتديات الإقليمية. كما تجسد فى الدور المتنامى لوزارة الخارجية المصرية، التى تعمل بجد داخل مطابخ السياسة الإفريقية والعربية، وتسهم بفاعلية فى صياغة التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالح مصر ومصالح القارة وشعوبها.

إلى جانب ذلك، هناك جهود دبلوماسية دقيقة، بعضها غير معلن، تقوم بها أجهزة الدولة السيادية المشاركة فى صناعة السياسة الخارجية المصرية. هذه الجهود كافة تنطلق من قاعدة واحدة: الاحترام المتبادل، وتجنب الخطاب المتعالى أو الاستعلائى؛ فمهما بلغت مكانة مصر، ومهما كان تاريخها وثقلها الحضارى والسياسى، لم نسمع يومًا مسئولًا مصريًا يَمنّ على العرب أو الأفارقة بدور مصر أو يتحدث عنهم من موقع الوصاية.. المكانة الحقيقية لا تُعلن فى الميكروفونات، بل تُترجم إلى سياسات وسلوكيات.

• • •

من هنا، يصبح الموقع الذى يشغله حسام حسن أخطر من أن يُترك لشخص معروف بعدم الانضباط والاتزان الانفعالى فى تصريحاته.. المطالبة العاجلة بإقالته ليست انتقامًا شخصيًا ولا تصفية حسابات رياضية، بل مصلحة مصرية خالصة، سياسية ورياضية فى آن واحد؛ فبالمنطق الكروى البحت، هل يعقل أن تُسند قيادة منتخب بحجم مصر، صاحبة التاريخ العريق والسبع بطولات قارية، إلى مدرب لم يحقق إنجازًا يُذكر فى مسيرته التدريبية، ولم يفز حتى ببطولة محلية واحدة، ثم يُطلب منه خوض منافسة شرسة على كأس الأمم الإفريقية؟

الرياضة، حين تُدار بعقل منضبط ورؤية واعية، يمكن أن تكون جسرًا للدبلوماسية، وحين تُترك للانفعالات والتصريحات الطائشة، تتحول إلى عبء سياسى. إقالة حسام حسن اليوم ليست فقط لمصلحة الكرة المصرية، بل لمصلحة السياسة الخارجية المصرية أيضًا.

أقيلوه، حماية لصورة مصر، وصونًا لعلاقاتها، واحترامًا لقيمة المنتخب الوطنى بوصفه أحد أهم وجوه الدولة فى الخارج.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة