صحافة المواطن فى مصر.. بين حفظ الأمن ومخاطر انتهاك الخصوصية

الثلاثاء 20 يناير 2026 - 7:05 م

 

شهد العالم فى العقدين الأخيرين تحولات هائلة فى وسائل الإعلام والمعلومات، وكانت من أبرزها ظاهرة صحافة المواطن citizen journalism، التى أُتيح من خلالها للأفراد العاديين أن يصبحوا مصدرًا مباشرًا للأخبار والمعلومات، بفضل التطور الكبير فى التكنولوجيا وانتشار الهواتف المحمولة الذكية المزودة بكاميرات عالية الجودة، وارتفاع معدلات استخدام الإنترنت، إضافة إلى تنامى دور وسائل التواصل الاجتماعى التى حلت إلى حد كبير محل الصحافة الورقية والتقليدية وأصبحت المصدر الرئيسى للمعلومات والأخبار.

نشأت صحافة المواطن بدايةً فى مناطق الحروب والصراعات، حيث كان المواطنون يوثقون الأحداث وينقلونها للعالم قبل وصول وسائل الإعلام التقليدية بسبب صعوبة وصول الصحفيين وخطورة وجودهم أو منعهم من قبل أطراف النزاع. ومع الوقت تطورت الظاهرة لتؤدى دورًا محوريًا خارج سياق الحروب، خصوصًا فى متابعة الأحداث اليومية ورصد المخالفات والجرائم، لتصبح وسيلة فعالة لتعزيز المسئولية الاجتماعية والمشاركة المجتمعية فى دعم جهود حفظ الأمن.

وفى مصر، لاقت هذه الظاهرة اهتمامًا واضحًا من المواطنين الذين وجدوا فيها وسيلة عملية لممارسة دورهم الرقابى والمساهمة الإيجابية فى معالجة قضايا المجتمع. فبفضل كاميرات الهواتف الذكية وتطبيقات التواصل الاجتماعى تمكن المواطنون من رصد حالات الخروج عن القانون والمخالفات والحوادث ونقلها بسرعة للجهات المختصة، ما ساهم فى سرعة التعامل مع الجرائم والمخالفات وضبط المخالفين. كما أظهر المصريون قدرا كبيرا من الوعى فى توظيف هذه الأدوات بشكل مبتكر وفعال، فأصبح المواطن شريكا فى كشف الوقائع وتوثيق الأحداث ورصد المخالفات، وهو ما عزز دور المجتمع فى حماية الأمن.

أظهرت التجارب العملية أن البلاغات التى تقدم بها المواطنون عبر وسائل التواصل كانت غالبا دقيقة وموثقة بالفيديو أو الصور، مما سهل على الجهات الأمنية اتخاذ الإجراءات اللازمة بسرعة وفعالية. فمثلاً، انتشار مقاطع الفيديو التى توثق حالات المخالفات المرورية (السرعات الجنونية والسير عكس الاتجاه) وكذلك حوادث البلطجة والتعدى على الأفراد أو الممتكلات العامة أثارت تحركا فوريا من الشرطة، مما ساهم فى ضبط المتورطين بشكل أسرع من الطرق التقليدية للبلاغات.

لقد أصبحت صحافة المواطن فى صورتها الحالية فى مصر مصدر ردع حقيقى، إذ بات المخالف يخشى أن يتم رصده بعدسة هاتف مواطن عادى وليس رجال الأمن فحسب. هذا الوعى المجتمعى المتنامى خلق حالة من الرقابة الشعبية، ورسخ شعورا عاما بأن السلوكيات المخالفة لن تمر دون مساءلة حتى فى عدم وجود رجال الشرطة فى موقع المخالفة مما قد يساهم بفعالية فى تعزيز الانضباط  والالتزام بالقانون فى العديد من المواقف اليومية. لم تقتصر فوائد صحافة المواطن على سرعة التبليغ وحفظ الأمن، بل تجاوزتها لتعزيز الثقة بين المواطن وجهاز الشرطة، إذ لاحظ المواطنون تجاوب وزارة الداخلية مع البلاغات الواردة عبر وسائل التواصل، وسرعة التدخل لمعالجة المخالفات والجرائم الموثقة. هذا التفاعل لم يكن مجرد استجابة شكلية، بل جسد نوعا من الشراكة بين الدولة والمواطن، حيث شعر المواطن بمسئولية حقيقية تجاه مجتمعه، وارتفع مستوى وعيه بأهمية دوره فى حفظ الأمن.

غير أن توسع ظاهرة صحافة المواطن يفرض مجموعة من التحديات والضوابط الأخلاقية. فقد يتحول التوثيق فى بعض الأحيان إلى انتهاك لخصوصية الأفراد أو تشهير بهم خارج إطار القانون، كما قد تؤدى إلى تداول محتوى يتم استخدامه بطريقة مسيئة أو انتقائية، كذلك فإن نشر صور أو فيديوهات لمخالفات بسيطة قد يساهم فى وصم أشخاص أو الإساءة إليهم اجتماعيا بصورة تفوق حجم المخالفة. فضلاً عن ذلك يظل التحدى الأكبر الذى يواجه صحافة المواطن هو التطور الهائل فى تقنيات الذكاء الاصطناعى القادرة على تزييف الصور والفيديوهات بدقة عالية، بما يصعب عملية التحقق من صحة المحتوى ويزيد من احتمالات التضليل. فالقدرة على إنتاج مواد لا يمكن تمييزها بسهولة عن الحقيقة من خلال نشر محتوى مفبرك قد يؤثر على مصداقية صحافة المواطن ويصعب من مهمة الجهات الأمنية فضلاً عن إثارة التوتر وإمكانية تشويه سمعة الأشخاص وتضليل الرأى العام، ومن ثم على الجهات الأمنية استخدام الأدوات الرقمية المتقدمة للكشف عن صحة ودقة المحتوى والتحقق من سلامته.

إن صحافة المواطن تمثل فرصة مهمة لتعزيز المشاركة المجتمعية ودعم جهود الدولة فى حفظ الأمن، لكنها تتطلب وعيا مجتمعيا وانضباطا أخلاقيا يضمن ألا تتحول إلى أداة للإيذاء أو التشهير أو انتهاك الخصوصية. إن نجاح هذه الظاهرة يعتمد على تحقيق توازن دقيق بين الدور الرقابى للمواطن والدور المؤسسى للدولة حيث يظل حفظ الأمن مسئولية أصيلة للدولة وأجهزتها المختصة، بينما يظل دور المواطن دورا مكملا يعزز فعالية هذه الجهود ولا يحل محلها، فالأجهزة الأمنية هى الجهة الرسمية المخولة بحماية المواطنين وتحقيق الأمن والاستقرار وإنفاذ القانون.

أستاذ مساعد السياسات العامة- الجامعة الأمريكية بالقاهرة

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة