ترامب يحشد البوارج حول إيران من دون أن يستعجل قرار الحرب

الإثنين 26 يناير 2026 - 6:35 م

يوجد من المؤشرات الميدانية وحركة الاتصالات والمواقف الإقليمية ما يسمح بالاستنتاج أن الولايات المتحدة على وشك توجيه ضربة عسكرية جديدة لإيران. ومع ذلك، لا أحد بإمكانه الجزم بحتمية الضربة أو بالهدف الفعلى من ورائها، هل هو تحفيز الإيرانيين على العودة إلى الشارع، أو الضغط على النظام للعودة إلى طاولة المفاوضات والتوقيع على اتفاق جديد مع أمريكا بشروط قاسية.

 


وعندما أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الخميس الماضى، توجه أسطول أمريكى إلى الشرق الأوسط، أعرب فى الوقت ذاته عن الأمل فى ألا يضطر إلى استخدامه. وهذا يعنى، بكلام آخر، أن قرار الضربة لم يُتخذ بعد، وأن نافذة الدبلوماسية لم تُستنفد بالكامل، أو أن الغاية الآن هى ممارسة مزيد من الضغط على الحكومة الإيرانية التى تعانى أزمة اقتصادية حادة، وحركة احتجاجات فى الشارع، ولا تتمتع بالقوة التى كانت عليها قبل الحرب الإسرائيلية - الأمريكية فى يونيو الماضى، كما أن حلفاءها فى المنطقة فى حالة ضعف، بفعل الضربات الإسرائيلية.
والحشد العسكرى ضرورى لإثبات جدية ترامب وعدم استبعاده أى خيار. وهذا ما يظهر واضحًا من وصول حاملة الطائرات الأمريكية إبراهام لينكولن ومجموعتها القتالية إلى بحر العرب، ورفع التعزيزات إلى ما كانت عليه فى يونيو.
ويتناغم مع رسائل القوة الأمريكية انضمام قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال براد كوبر إلى زيارة المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، لإسرائيل فى عطلة نهاية الأسبوع. وكذلك وضع إسرائيل سلاحها الجوى فى حال تأهّب، بينما ألغت شركات طيران عالمية رحلاتها إلى تل أبيب، ودعت دول رعاياها إلى تجنب السفر إلى الشرق الأوسط. وتنشر وسائل إعلام إسرائيلية تقارير أمنية عن قلق من أن تعمد إيران إلى توجيه ضربة استباقية لإسرائيل.
أما وزير الخارجية التركى هاكان فيدان، فلاحظ فى معرض تعليقه على التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، أن إسرائيل هى الطرف الأكثر اندفاعًا نحو المواجهة وليس الولايات المتحدة.
وعلى رغم أن المسئولين الإسرائيليين يحرصون على عدم اتخاذ مواقف علنية، فإنهم يدركون أن ترامب وحده من يملك قرار شن الحرب. وحتى الآن، من غير المحسوم كيف يمكن أن يساعد الخيار العسكرى الأمريكى المحتجين داخل إيران، لا سيما أن النظام تمكن من احتواء التظاهرات الأخيرة، إلى درجة أن محمد رضا بهلوى، نجل الشاه السابق رضا بهلوى، اتهم واشنطن بإلقاء المتظاهرين الإيرانيين تحت عجلات الباص، بعدما كان ترامب وعدهم بأن المساعدة الأمريكية فى الطريق من دون أن يفعل شيئًا.
وعليه، فإن أى ضربة أمريكية الآن لن تعدو كونها محاولة لتشجيع المتظاهرين على العودة إلى الشارع لإضعاف النظام أكثر، من دون التثبت من أن البيت الأبيض يريد إسقاطه فعلًا، وليس إبرام اتفاق متشدد معه. لكن اللجوء إلى القوة قد يجر أيضًا إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها. فالعمل العسكرى فى إيران يختلف عن ذاك الذى جربه ترامب فى يونيو عبر تدمير المنشآت النووية بضربات خاطفة، أو عن عملية الكوماندوس فى كراكاس فى 3 يناير الجارى، وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو.
فى إيران، يحذر حتى عتاة المناوئين للنظام الإيرانى داخل الولايات المتحدة من أن العمل العسكرى الخاطف لن ينجح فى إسقاط النظام. وعلى سبيل المثال، يقول مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق جون بولتون: "لنفكر فى كيف يمكننا مساعدة المعارضة الإيرانية، إن ضربة عسكرية واحدة لن تفعل ذلك". ومثله يحذر إيان جولدنبرج، رئيس فريق إيران فى البنتاجون إبان ولاية الرئيس السابق باراك أوباما، من أن الضربة العسكرية قد تفتح صندوق باندورا فى إيران، التى تشهد احتجاجات لفترات محدودة، بينما النظام لا يزال يملك الإمكانات، وهذا ما يسمى حربًا أهلية.
إن ما يجرى اليوم بين ترامب وإيران يصح أن يُطلق عليه المصطلح الذى يُعرف بـ«دبلوماسية البوارج» أو «التصعيد لخفض التصعيد». وهى سياسة محفوفة بمخاطر الانفجار أيضًا.

 

سميح صعب
جريدة النهار اللبنانية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة