صحراوات مصر المقدسة

الإثنين 26 يناير 2026 - 6:35 م

يلعب معرض القاهرة الدولى للكتاب دورًا مهمًا فى التحفيز على شراء الكتب وتقليب صفحات جديدة من الأفكار والرؤى التى تطرحها العقول كخلاصة لتجارب وخبرات علمية وميدانية وحياتية تساعد على فهم أكبر لأنفسنا والعالم.

 


ولأن «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا» كما قال الأديب العالمى نجيب محفوظ، شخصية المعرض فى دورته الـ57، يهرع مئات الألوف كل عام إلى أجنحة وصالات المعرض الأكبر فى الشرق الأوسط من حيث دور النشر المشاركة وعناوين الكتب التى تزخر بها الرفوف.
ومن بين تلك الكتب التى تستحق التوقف بالقراءة «رحلات فى ثلاث صحراوات» الصادر عن دار الشروق، للدكتور عاطف معتمد، وهو الجغرافى وسط الأدباء والأديب وسط علماء الجغرافيا، كما أنه رحالة ومترجم عن أكثر من لغة، وبات ما يقدمه للمكتبة العربية زادا ومعينا للمتخصصين وغير المتخصصين، لمعرفة تضاريس بلادنا بسهولها ووديانها، بصحاريها وجبالها، شجرها وحجرها، وناسها فى الحضر والمضر.
يخطفك الكتاب من أول سطوره، لكن ما هى قصة «رحلات فى ثلاث صحراوات»؟ يقول دكتور معتمد إن «بلادنا صحراء واحدة كبيرة، اختط فيها النيل خطًا محدودًا حمل معه الطين والمياه، ومنهما وُلدت الحياة، ومن ثلاثة الطين والمياه والحياة ظهرت حضارة مصر القديمة» وهذه الصحراء الواحدة تبدو فى التعاليم المدرسية «ثلاث صحراوات».
فى الشرق تقف صحراء سيناء التى تتألف من كل دروس الجغرافيا الطبيعية وآثار وبصمات التاريخ الدينى والأسطورى، وبينما مشهد الأرض فى صحراء مصر الشرقية يتركب من صخر وجبال، ووديان عميقة وسيول متفرقة وموانئ على البحر الأحمر، تمتد صحراء مصر الغربية على بحور رمال، ومنخفضات، وواحات، وهضاب، ومياه جوفية.
وعبر تمهيد شائق ورشيق، وعشرة فصول تنبض بالحياة، يطوف بنا صاحب «رحلات فى ثلاث صحراوات» ملخصًا تجارب «ثلاثة عقود من خطى الأقدام وحبر الأقلام» فى لغة أدبية لا تخل برصانة المادة العلمية المقدمة، لكنها تسوقنا إلى التهام الصفحات بكل يسر وسهولة، وتخفف من زوابع الرمال، وحرارة القفار، وجفاف الصحارى، وقسوة الحصى تحت النعال.
يروى الكتاب حكاية «الجغرافيا المقدسة» على أرض سيناء، ويقدم وصفا جيولوجيا لتكوينها، كنتاج لحركة تصدع ضخمة لقشرة الأرض، قبل أن يلفت النظر إلى تحول سيناء عبر العصور إلى أكثر مناطق العالم مسرحًا للحروب، أحصى منها الضابط البريطانى جارفيس بك حكمدار سيناء، فى فترة ما بين الحربين العالميتين 45 حربًا منذ عهد قدماء المصريين.
ومن عتاقة وأبو زنينة، وعيون موسى، والتيه والعجمة، وغيرها من مناطق، يتنقل المؤلف بين ربوع سيناء، ولم يترك طريقًا تسير عليه الحافلات والسيارات، والدراجات النارية، أو سيرًا على الأقدام إلا وسلكه خلال الفترة من 2007 حتى 2012، ثم زيارة تحديثية فى 2025، وعلى الرغم من تلك الأسفار والترحال يقول إنه «لا يمكن للمرء أن يزعم أنه نهل من سيناء إلا كما يأخذ المخيط من المحيط».
ولضيق المساحة نترك سيناء لنعرج سريعًا على صحراء مصر الشرقية، ونقتطف من الفصل الثالث العنوان اللافت «البحر فى يسارك والجبل فى يمينك»، اختار معتمد الانطلاق فى رحلته إلى الصحراء الشرقية من مدينة السويس التى تبدل اسمها منذ الدولة المصرية القديمة حتى العصر الحالى فأطلق عليها الرومان «كليزما» أو نهاية الطريق قبل أن يحرفه العرب إلى «القلزم» قبل أن يستقر الاسم السويس.
أفرد الكتاب ثلاثة فصول كاملة لرحلة مؤلفه فى ربوع صحراء مصر الغربية، ووجدت نفسى غارقًا فى تفاعل شخصى مع الفصل التاسع «من الفرافرة إلى مريوط»، حيث عشت ردحا من الزمن فى العامرية، الملتحمة بالظهير الصحراوى بالساحل الغربى؛ حيث اختلط فى المدينة أبناء من قبائل أولاد على مع جموع جاءوا من الصعيد والدلتا، جنبا إلى جنب مع سكان الإسكندرية الأقحاح.
الجديد فى هذا الكتاب، الذى اعتنت دار الشروق فى طباعته احتواؤه على كم كبير من الخرائط والصور للمناطق التى زارها الدكتور عاطف معتمد، فى رحلاته الثلاث، التى تحتاج القراءة المتأنية، مثنى وثلاث ورباع، لاكتشاف كنوزها الدفينة.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة