رحلة مصر مع الهيدروجين الأخضر
الإثنين 26 يناير 2026 - 6:30 م
لم تكن موجة الحماس التى صاحبت الإعلان عن مشروعات الهيدروجين الأخضر فى مصر ظاهرةً محليةً معزولة، بل جاءت امتدادًا لموجة عالمية اتسمت بمبالغة واضحة فى تقدير دور هذا المصدر الناشئ فى قيادة التحول الطاقى، قبل أن تعود الواقعية الاقتصادية لتفرض نفسها بقسوة على أغلب هذه المشروعات، فى مصر كما فى غيرها. وبين لحظة الترويج السياسى والإعلامى المكثّف، ولحظة التراجع الصامت أو التأجيل غير المعلن، تبرز أسئلة جوهرية حول ما الذى جرى فعليًا، ولماذا تعثرت أو أُلغيت معظم مذكرات التفاهم التى وُقِّعت بحفاوة قبل سنوات قليلة؟!
قُدِّمت مشروعات الهيدروجين الأخضر فى البداية باعتبارها مدخلًا لتحويل مصر إلى مركز إقليمى للطاقة النظيفة، وأداةً لتعظيم الاستفادة من وفرة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وفرصةً لجذب استثمارات أجنبية ضخمة وتحقيق حصيلة تصديرية مستقبلية، فضلًا عن كونها أحد أعمدة استراتيجية خفض الانبعاثات الكربونية. هذه الوعود لم تكن وهمية من حيث المبدأ، لكنها انطوت على افتراض ضمنى بأن الانتقال من الإمكانات الطبيعية والتكنولوجية إلى الجدوى الاقتصادية هو مسار تلقائى، وهو افتراض سرعان ما كشف الواقع عن هشاشته، فضلًا عن شيوع الخلط الواضح بين الهيدروجين الأخضر والهيدروجين «منخفض الكربون»، لأن الأخير لا يُنتج بالضرورة باستخدام مصادر طاقة متجددة.
• • •
فى عام 2023، أعلنت مصر عن تشكيل المجلس الأعلى للهيدروجين الأخضر برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وعضوية الوزارات والجهات المعنية، مثل البترول والكهرباء والاستثمار، بالإضافة إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والصندوق السيادى. ويهدف هذا المجلس إلى تجاوز التنسيق الشكلى بين الجهات المختلفة، من خلال منحه صلاحيات واسعة تشمل مواءمة السياسات القطاعية، ومراجعة دراسات الجدوى الاستراتيجية، وتقييم الالتزامات المالية للدولة، والإشراف على الانتقال من توقيع مذكرات التفاهم غير الملزمة إلى عقود التنفيذ الفعلية. ويعكس هذا الهيكل إدراك الدولة للطبيعة المعقدة والعابرة للقطاعات لصناعة الهيدروجين، التى تتطلب سلطة مركزية قادرة على تبسيط الإجراءات البيروقراطية واتخاذ قرارات سريعة لجذب الاستثمارات العالمية.
إلا أن التحدى الأساسى لا يكمن فى الإطار المؤسسى، بل فى أن الزخم السياسى الذى واكب تشكيل المجلس سبق النضج الاقتصادى للمشروعات. فقد انطلقت بعض الجهات فى سباق لتوقيع مذكرات التفاهم مع مستثمرين دوليين، فى محاولة لترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمى للهيدروجين، قبل اكتمال الصورة المالية والتمويلية الواقعية. كثير من هذه المشروعات يعتمد على تقنيات باهظة التكلفة، ويحتاج إلى دعم حكومى مباشر أو ضمنى، سواء عبر الأراضى الميسّرة، أو أسعار الكهرباء التفضيلية، أو التزامات شراء الإنتاج، دون تقدير دقيق للتكاليف الكاملة والآثار الطويلة الأمد على المالية العامة. وهنا يكمن الاختبار الحقيقى للمجلس: هل سيكون مجرد مُيسِّر للصفقات السريعة، أم يتحول إلى مدير للمخاطر الاستراتيجية يُفرز المذكرات ويبنى نماذج مالية وطنية تحمى الاقتصاد؟
لضمان النجاح، يحتاج المجلس إلى الانتقال من مرحلة جذب الاهتمام إلى مرحلة بناء الأسس الاقتصادية، عبر وضع «كتاب قواعد» واضح. وتمثل استراتيجية الهيدروجين الأخضر امتدادًا عمليًا لاستراتيجية تحول الطاقة 2040، التى ساهمتُ شخصيًا فى إعدادها ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبى، وتهدف إلى تحقيق أهداف التحول الطموحة، خصوصًا فى التصدير وتقليل الانبعاثات الكربونية للصناعات. ومع ذلك، فإن الزخم السياسى المبكر، الذى تجسد فى تشكيل المجلس وتوقيع عشرات مذكرات التفاهم، سبق البنية الاقتصادية والتمويلية الضرورية، مما يستدعى العودة إلى منهجية استراتيجية 2040 القائمة على دراسة الجدوى والتدرج فى التنفيذ.
وعلى الرغم من كثرة مذكرات التفاهم الموقعة مع شركات وتحالفات دولية، لم تتحول معظم هذه الاتفاقات إلى استثمارات فعلية على الأرض. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل مترابطة، أبرزها ارتفاع تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر مقارنةً بالبدائل التقليدية، نتيجة تكلفة الكهرباء المتجددة والمحللات الكهربائية، بالإضافة إلى غياب تسعير مضمون طويل الأمد يضمن للمستثمرين عائدًا مستقرًا. وزادت صعوبة التمويل فى ظل تشديد الأوضاع النقدية عالميًا وارتفاع أسعار الفائدة، فى وقت لم تتوافر فيه سوق محلية حقيقية لاستيعاب الإنتاج، بينما لا تزال أسواق التصدير غير محسومة من حيث الطلب والأسعار المستقبلية.
• • •
تتمثل المعضلة الأساسية فى أن الهيدروجين الأخضر مشروع اقتصادى لم يُحسم بعد سؤال: «من يدفع الفارق؟». فالفجوة السعرية بينه وبين الهيدروجين المنتج من الغاز الطبيعى ما زالت واسعة، ولا يمكن سدّها دون دعم مباشر أو غير مباشر. وفى ظل غياب الوضوح بشأن مدى استعداد الدولة لتحمّل هذا الفارق أو ترك المشروعات لقوى السوق، يصبح التردد الخيار الطبيعى لكلٍّ من المستثمر وصانع القرار، فتتوقف المشروعات قبل أن تبدأ فعليًا.
هذا التعثر ساهم بدوره فى تغيّر الخطاب الرسمى والاستثماري. ففى البداية، جرى تضخيم دور الهيدروجين الأخضر باعتباره وقود المستقبل القادر على حل معضلة الطاقة والمناخ دفعة واحدة، وهو خطاب خدم أهدافًا سياسية وإعلامية، لكنه تجاهل القيود الواقعية. أما اليوم، فنشهد خطابًا أكثر تحفظًا، يميل إلى التهوين وتأجيل التنفيذ، وربما إعادة ترتيب الأولويات. والحقيقة أن كلا الخطابين لا يعكس الصورة كاملة؛ فالهيدروجين الأخضر ليس عصا سحرية، لكنه فى الوقت نفسه ليس وهمًا بلا قيمة، وإنما خيار انتقالى محدود الاستخدام، يصلح لقطاعات بعينها، كالصناعة الثقيلة والشحن وإنتاج الأسمدة، ولا يصلح ليكون بديلًا شاملًا لمنظومة الطاقة.
• • •
تكشف التجارب الدولية الرائدة فى مجال الهيدروجين الأخضر عن قدر كبير من الواقعية التى غابت عن كثير من الخطابات الأولى. ففى الاتحاد الأوروبى، على سبيل المثال، جرى التعاطى مع الهيدروجين بوصفه مكوِّنًا مكملًا لا بديلا شاملا، مع حصر استخدامه فى القطاعات التى يصعب خفض انبعاثاتها بوسائل أخرى، مثل الصلب والأسمنت والنقل البحرى والجوى. ورغم تبنّى ألمانيا وفرنسا استراتيجيات طموحة، فإن التنفيذ الفعلى ظل محدود النطاق، واعتمد بصورة أساسية على دعم مالى مباشر من الدولة، سواء عبر عقود الفروقات السعرية أو ضمانات شراء طويلة الأجل، إدراكًا بأن السوق وحده لا يستطيع تحمّل التكلفة فى المرحلة الحالية. وحتى فى هذه الدول، أُعيدت مراجعة كثير من الأهداف الكمية بعد صدمات أسعار الطاقة وارتفاع تكلفة التمويل.
أما فى الدول التى رُوِّج لها بوصفها نماذج نجاح محتملة، مثل تشيلى وأستراليا وناميبيا، فقد اتضح أن توافر الموارد الطبيعية وحده لا يكفى. فمشروعات الهيدروجين فى تشيلى، رغم وفرة الرياح وانخفاض تكلفة الطاقة المتجددة نسبيًا، واجهت تحديات مرتبطة بالبنية التحتية والنقل وبُعد الأسواق النهائية، ما دفع الحكومة إلى تبنّى نهج تدريجى شديد التحفظ. وفى أستراليا، تراجعت عدة مشروعات كبرى أو أُعيدت هيكلتها بعد فشلها فى تأمين مشترين بأسعار تغطى التكلفة. أما فى إفريقيا، فقد اصطدمت الطموحات الهيدروجينية بمحدودية التمويل وغياب الطلب المحلى، ما جعل معظم المبادرات أقرب إلى رهانات جيوسياسية طويلة الأجل منها إلى مشروعات اقتصادية قابلة للتنفيذ السريع.
فى المحصلة، يعكس ما جرى فى ملف الهيدروجين الأخضر فى مصر درسًا اقتصاديا قديما يتكرر بأشكال جديدة، مؤداه أن الفجوة بين الطموح السياسى والجدوى الاقتصادية لا تُجسَر بالشعارات ولا بالمذكرات، بل بالأرقام الصلبة والقرارات الصعبة. وبين تضخيم البدايات وفتور الحاضر، يبقى الرهان الحقيقى على إدارة هذا الملف بعقل بارد يميز بين ما هو ممكن، وما هو مرغوب، وما هو قابل للاستدامة فعلًا.
كاتب ومحلل اقتصادى
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا