ولدى.. لن أسألك ماذا تحب أن تعمل؟

الإثنين 26 يناير 2026 - 6:35 م

تحكى قصةٌ من أدب الأطفال الروسى عن نقّار الخشب «شوكتوجان» الذى كان يلعب ويلهـو طوال النهار؛ يطارد الفراش ويُخيف السحالى ويفعل أيَّ شيءٍ إلا أن يساعد جدَّه، الذى كان يقضى يومه فى معالجة أشجار الغابة، فينقر بمنقاره لحاءها وينتشل من تحتها الخنافس ويلتقط الديدان.

 


• • •
ويومَ أغارت على الغابة سحابة من الخنافس والديدان، طلب الجد من حفيده مساعدته فى القضاء عليها. ورغم أن شوكتوجان لا يصدق أن خنافس صغيرة يمكن أن تُهلك غابةً بكاملها، فإنه حاول مساعدة جدّه. وفور تعبه طلب من جدّه استراحة، وذهب يطارد الفراشات مرة أخرى، ثم قرر أن يطلب من الخفاش أن يعلمه اصطياد الخنافس أثناء الطيران حتى لا يضطر إلى نقر لحاء الأشجار.
• • •
التقى بالخفاش فوجد أن لديه أذنين هما عُدته فى اصطياد الخنافس، فذهب إلى الضفدعة فوجد أن لسانها يساعدها فى ابتلاع النمل؛ حتى دجاجة الأرض تنتشل بمنقارها الديدان واليرقات. فقرر أن يعود، ليجد أن الغابة أصبحت مهجورة بعد أن سقطت أوراق الأشجار وغادرتها الطيور والوحوش.
أدرك شوكتوجان أنه يستطيع أن ينقذ الغابة بمنقاره، ولكنه يحتاج أن يستعين بالطيور لكى يعالج أشجار الغابة.
• • •
القصة تشير بوضوح إلى البحث عن مكامن القوة التى يتميز بها كل فرد، كما تشير إلى التواصل بين الأجيال لمعرفة الدور الذى يقوم به كل جيل، فتكتمل سلسلة العمل والتطور الإنسانى الذى تنهض به الشعوب والأمم.
• • •
يستشرف المتخصصون الغربيون ما ستواجهه الأجيال القادمة من تحديات للبحث عن فرص عمل مناسبة، مثل أن يجد الفرد أن عليه أن يبحث فى نفسه عن ملكات ومواهب تتيح له القدرة على الجمع بين وظيفتين أو ثلاث يديرها بنفسه لكى يحقق دخلًا مناسبًا.
فالوظيفة الواحدة لم تعد تفى بالاحتياجات المناسبة للعيش الكريم.
• • •
اليوم، بعد أن امتزجت علوم البيانات وتطبيقاتها الحديثة بحياتنا، لم تعد المجالات التكنولوجية مجرد اختيار، بل أصبحت أداةً أساسية من أدوات العصر تطالب الجميع بالبحث عن مهاراتهم.
لذلك، فإننا إذا أردنا توجيه أطفالنا إلى مهن جديدة ومجالات مستقبلية، فعلينا أن نؤهلهم لذلك.
وهذا التأهيل يتطلب جهدًا هائلًا فى البنية التحتية ودعمًا للابتكار والتدريب التقنى وتوجيهًا خاصًا يبدأ من التعليم الأساسى، كمنهج اعتمدته دول غيرنا، اتخذ فيها صُنّاع القرار هذا التوجه، فكانت لهم الريادة عالميًا.
• • •
أما من الناحية التربوية والنفسية، فيجب علينا كآباء أن نساعد أبناءنا فى معرفة ما يميزهم، ونؤهلهم لتقبّل الفشل والتعامل معه كجزء من التطور والحركة إلى الأمام، بدلًا من أن نطالبهم بالنجاح الدائم، فيحاولون الوصول إلى ذلك ولو بأى ثمن قد يكون غير أخلاقى أو عديم الجودة والفائدة العلمية أو المجتمعية.
• • •
علينا أيضًا أن نساعدهم على التكيّف مع التغيير والتأقلم معه كصبغة أساسية لعالم متغير، بل سريع التغير، وأن نرشدهم لما ينفعهم ليستطيعوا أن يستكملوا دورهم الإنسانى غير منقطع الصلة بما قدمه الأجداد والآباء، ولكنه أكثر اعتمادًا على التميز والإبداع والتجديد، وهذا هو ما يبحث عنه العالم من حولنا.
• • •
عبّر عن ذلك المتخصصون بشكل عملى تجديدى عن طريق استبدال سؤال الكبار التقليدى لأطفالهم: ماذا تحب أن تعمل؟
إلى: ما التغيير الذى تحب أن تضيفه لهذا العالم؟
ثم نقدم لهم الأدوات المتاحة ونرشدهم للحصول على المعلومات التى تقودهم إلى تحقيق ذلك.
ولا يتم ذلك بالجهد الفردي؛ نحتاج إلى جهود الدولة والمجتمع للحد من الاختراق الثقافى والفكري.
فلن تستطيع أمة مخترَقة ثقافيًا وفكريًا أن تضمن بقاء القيم حيّة فى ضمائر أبنائها بمجرد ترديد الشعارات والعبارات الرنانة.
• • •
فبدون أن ينهض كل متخصص بدوره، وبدون إعادة المكانة العلمية والاجتماعية لمستحقيها من المتخصصين فى كل المجالات، فإن قيمًا بديلة ستلقى بظلالها شيئًا فشيئًا على مجتمعاتنا، فتُبدِّلنا ونُستبدَل معها.
• • •
إن الشعوب تنتهى وتفنى بانحسار القيم والأخلاق، وهى مقومات القوة لأى أمة تحفر لنفسها البقاء.
القوة بمعناها المتكامل: قوة السيادة على الأرض، والقضاء على الجهل والفقر.
تحتاج الأولى إلى القانون، والثانية إلى العلم، والثالثة إلى الإنتاج؛ فلم يعد بالإمكان مستقبلًا التنازل عن أى من هذه المقومات، كما أنه لا تُغنى واحدةٌ منها عن الأخرى.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة