القائمة المشتركة.. الآن بدأ الاختبار الحقيقى

الإثنين 26 يناير 2026 - 6:40 م

هذا لم يعُد خطوة تاريخية، بل عودة إلى مسار مألوف سبق للمجتمع العربى أن خاضه فى الماضى، بكل ما حمله من إيجابيات ومحدوديات. لا يمكن تسويق الفكرة نفسها مرتين من دون إجراء مراجعة ذاتية حقيقية؛ هذه المرة، يجب وضع أثمانٍ وفرص القائمة المشتركة على الطاولة بشكل علنى، والتعامل معها بمسئولية، وبقيادة حقيقية. لم يعد الأمر لعبة سياسية بين قادةٍ يعيدون تدوير الأيديولوجيات عينها منذ أعوام، فى وقت يستنزف المجتمع نفسه، ويطالب بحلول حقيقية وملموسة.

 


من المهم أن نذكّر أنفسنا بأن هذا ليس أمرا جديدا سياسيا؛ لقد شُكلت القائمة المشتركة، لأول مرة، قبل عقد من الزمن (2015)، قبيل انتخابات الكنيست العشرين، وضمت مرشحين من أربعة أحزاب عربية: القائمة العربية الموحدة (راعم)، بلد، الحركة العربية للتغيير (تعل)، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، حتى وإن كانت الظروف مختلفة آنذاك، فإن الوحدة جاءت أساسا بدوافع سياسية، ولم تنبع بالضرورة من استراتيجية متماسكة، أو خط واضح، أو قاسم مشترك عميق. وكان الدافع المركزى تجاوُز نسبة الحسم التى رُفعت فى تلك الفترة. وحصدت القائمة حينها 13 مقعدا وأصبحت ثالث أكبر كتلة فى الكنيست.
لكن فى سنة 2019، قبيل انتخابات الكنيست الحادى والعشرين، تفككت القائمة إلى قائمتين: الجبهة ــ تعل وراعم ــ بلد. وبعد أشهر قليلة، أعيدَ تشكيلها وخاضت انتخابات الكنيست الثانى والعشرين والثالث والعشرين، وبلغت ذروتها فى انتخابات 2020 بحصولها على 15 مقعدًا، لكن قبيل انتخابات 2021، انسحبت راعم من التحالف.
فى الأشهر الأخيرة، شهد المجتمع العربى صدامات لا تنتهى بين الأحزاب العربية، فى وقت كان الجمهور يطالبها بالوحدة؛ إذ أظهر كلّ استطلاع داخلى أن الوحدة ستعزز القوة الانتخابية، وأن الجمهور يريد قيادة تضع الأنا جانبًا، وتواجه معاً التحديات الخطِرة داخل المجتمع العربى.
وها أتت اللحظة، على خلفية الاحتجاج الذى بادر إليه أهالى سخنين، حين قال المواطنون والمواطنات: كفى، فى مواجهة تهديد يومى فى كل مكان، وفى كل ساعة، فأغلقوا المحال التجارية والمؤسسات فى المدينة. وكالعادة، وصل السياسيون متأخرين، وبدأوا بدعم الخطوة، كلٌّ من زاويته، متناسين لِلحظة أنهم هم الذين يُفترض أن يقودوا المجتمع العربى، بحكم كونهم ممثلى جمهور منتخَبين. وفى خضم هذا التجمع، سواء أردنا تسميته نافذة فرص، أو مناورة سياسية، مورِس ضغط على قادة الأحزاب لتوقيع اتفاق مبدئى لإعادة تشكيل القائمة المشتركة.
إلى أى حدّ للصوت العربى وزن حاسم؟
اجتاحت الصورة مواقع التواصل ووسائل الإعلام، كدليل على تغيير دراماتيكى فى المشهد السياسى. وفعلاً، إذا تحقق هذا التحرك، فقد يكون دراماتيكيا: فبحسب استطلاعات حديثة، يمكن أن يؤدى اندماج كهذا إلى 16–18 مقعدا، ويحوّل الكتلة إلى عنصر مركزى فى تأليف الحكومة المقبلة، وقلت سابقا إلى أى حدّ يكون للصوت العربى وزن حاسم عندما يخرج للتصويت.
وقبل الاحتفال، ومن دون الرغبة فى إفساد الفرحة، من المهم قول الحقيقة: إن بعض الأحزاب العربية لم يكن ليجتاز نسبة الحسم من دون تحالف، وبشكل خاص حزب بلد الذى يراوح مكانه حول خط نسبة الحسم مرارا، وهذا مؤشر جوهرى؛ لم يعُد هناك مكان لأيديولوجيا حزبية ضيقة ومنفصلة عن الواقع، وما نجح فى الماضى ليس ضروريا أن ينجح اليوم.
فالصورة التى جرى تداوُلها على الشبكات هى نفسها صورة القادة أنفسهم الذين وحّدوا صفوفهم فى سنوات 2015 و2019 و2020، وهم ذاتهم القادة الذين خيبوا الآمال وأهملوا قضايا اجتماعية داخلية مصيرية فى المجتمع العربى، فى حين كانت الأزمات تزداد عمقا. صحيح أن الانقسام اللاحق أفضى إلى تغيير استراتيجى مهم، حين فُتح الباب أمام شراكة حركة «راعم» فى حكومة بينت ــ لبيد، وهى خطوة لا يمكن تجاهُلها، ولا يمكن التراجع عنها بسهولة.
الخشية من «حصان طروادة»
إن القائمة المشتركة التى قد تُشكَّل الآن، فى لحظةٍ أوقف المواطنون العرب حياتهم وطالبوا بالتغيير، لا يمكنها أن تتصرف بتعالٍ، أو من دون عمل حقيقى يتطلب وضع الأنا جانبا، وتعزيز شراكة عربية يهودية مع أحزابٍ ذات صلة، حيال القضايا الملحّة فعلاً.
والخطر الأكبر هو أن تضم قائمةٌ كهذه ممثلين يتحولون إلى «حصان طروادة»، وهم أولئك الذين لم يكونوا ليتجاوزوا نسبة الحسم وحدهم، وحين يدخلون الكنيست، يستخدمون خطابا قوميا ضيقا يركز على الأيديولوجيا، بدلاً من الواقع اليومى للمواطنين.
وهناك نقطة أُخرى لا تقلّ أهميةً: نعم، اندمجوا، لكنكم القادة أنفسهم الذين لم ينجحوا حتى اليوم فى طرح استراتيجية تغيير براجماتية ومتّسقة. لذلك، أنتم لا تطالبون فقط، بل أنتم مُلزَمون بإدخال دماء جديدة إلى القائمة؛ فمن دون الشباب، ومن دون النساء، لا يوجد مستقبل. إن اختفاء النساء من المشهد صارخ بشكل خاص، وكأن السياسة ساحة أبوية، وكأن الرجال وحدهم مخوّلون معالجة الأزمات.
لقد بعث المواطنون العرب برسالة واضحة: لقد سئموا من الوضع القائم؛ فأوقفوا حياتهم وخرجوا ليصرخوا بالمطالبة بالتغيير والحلول؛ إنهم قاموا بدورهم، ووضعوا مطالبهم على الطاولة. الآن، جاء دور القائمة المشتركة وقادتها الدائمين لإثبات أنهم سمعوا الرسالة، عبر بناء خط استراتيجى واضح، متّسق، وقادر على إحداث تغيير حقيقى فى واقع المجتمع العربى، لا بالشعارات، بل بالسياسات، وبالشراكات، وبالمسئولية.
وأى انحراف عن هذا الخط، يجب أن يكون له ثمن سياسى واضح، مَن لا يلتزم به، سيُطلب منه تقديم حساب علنى للمجتمع العربى وتسليم المفاتيح، ليس فى نهاية ولاية أُخرى، بل الآن.

 

 

صابرين الحجيرات
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة