مجلس السلام العالمى

الإثنين 26 يناير 2026 - 6:30 م

قبل خمسة وثلاثين عامًا، ألقى الرئيس الأمريكى الأسبق، بوش الأب، خطابًا بالكونجرس يوم 11 سبتمبر 1990؛ بشر خلاله ببزوغ نظام عالمى جديد، يتضمن عصرًا مغايرًا، حقبة للحرية، وزمن سلام للشعوب كافة. ولم يكن الاقتصاد الأمريكى وقتئذ فى أحسن حالاته؛ إذ كان يعانى ركودًا، تفاقمت معدلات البطالة، وتضخم عجز الميزانية الفيدرالية. فيما نكث بوش بتعهده عدم فرض ضرائب جديدة، بعدما اضطر إلى زيادتها بغية كبح جماح العجز. الأمر الذى أجج سخط قاعدته الجمهورية، وتسبب فى خسارته الانتخابات الرئاسية لعام 1992 أمام منافسه الديمقراطى، بيل كلينتون. فعلى وقع شعار «إنه الاقتصاد يا غبى»، الذى ابتكره جيمس كارفيل، المستشار الاستراتيجى لحملة الأخير الرئاسية، هُرع المصوتون إلى معاقبة بوش انتخابيًا، جراء تركيزه المفرط على المشاريع الاستراتيجية فى الشرق الأوسط على حساب الهموم المعيشية للأمريكيين.

 


كأننا بالرئيس ترامب، الجمهورى، اليوم، يعيد إنتاج تجربة نظيره بوش الأب؛ لجهة تدشين نظام عالمى جديد لم يتفنن فى التنظير له أو التصريح به. وذلك تزامنًا مع ارتباك الوضع الاقتصادى إلى مستوى يهدد شعبيته على مشارف انتخابات التجديد النصفى للكونجرس فى أكتوبر المقبل. فطوال عام رئاسته الأول، توالت مساعى ترامب لإرساء دعائم نظام عالمى جديد دونما تصريح علنى. ففى رد منه على سؤال لصحيفة «نيويورك تايمز» مطلع الشهر الجارى، بشأن حدود سلطته ونفوذ بلاده عالميًا، قال: «أخلاقى الشخصية وعقلى. هذان هما الأمران اللذان يمكنهما أن يوقفانى. فلست أحتاج إلى القانون الدولى».
خلافًا لما جرى عليه العرف الدولى، لم يهتم بوش الأب ببناء مؤسسة أممية جديدة تواكب نظامه العالمى المنبعث من لهيب حرب الخليج الثانية. فعقب الحرب العالمية الأولى، عمد النظام الدولى متعدد الأقطاب إلى تأسيس عصبة الأمم، وعلى إثر الحرب العالمية الثانية، هرع النظام الدولى ثنائى القطبية إلى هندسة الأمم المتحدة. واليوم، وبينما توشك حروب أوكرانيا وغزة أن تضع أوزارها، يعلن ترامب تدشين مجلس السلام. فبعدما كال انتقاداته اللاذعة للأمم المتحدة، التى اتهمها بالفشل فى تحقيق أهدافها كافة، وقع فى السابع من يناير الجارى أمرًا تنفيذيًا يقضى بانسحاب بلاده من 66 منظمة دولية، يرتبط نحو 30 منها بالمنظمة الأممية. فيما قلصت إدارته مساعداتها الخارجية ودعمها منظمات دولية أخرى. وبرر البيت الأبيض موقفه التصعيدى بأن هذه الكيانات لم تعد تخدم المصالح الأمريكية، فيما يروج بعضها لأجندات معادية تتعارض مع أهداف الأمن والازدهار الاقتصادى، كما اعتبارات السيادة الوطنية الأمريكية. وفى حديث لشبكة «سى. إن. إن» مطلع الشهر الجارى، قال ترامب: «نعيش عالمًا حقيقيًا تحكمه القوة، النفوذ، والسلطة». وخلال مؤتمر صحفى لاستعراض إنجازاته طوال عام رئاسته الأول، قبيل توجهه إلى دافوس، أظهر ترامب استعداده لتجاوز الأطر الدولية القائمة وفرض مقاربة أحادية تعكس رؤية شخصية لإدارة النظام الدولى، تنطلق من سردية القوة، الحسم، وعدم التردد فى تجاهل الشرعية الدولية، أو اتخاذ قرارات صادمة دفاعًا عن المصالح الأمريكية.
إبان مشاركته غير المسبوقة فى منتدى دافوس، وقع ترامب الميثاق التأسيسى لمجلس السلام، الذى تضمنته خطته لسلام الشرق الأوسط، ضمن مساعيه لبلورة إطار حوكمة جديد لقطاع غزة، والإشراف على إدارته وإعادة إعماره عقب العدوان الإسرائيلى. وفى نوفمبر الماضى، أقر مجلس الأمن الدولى إنشاء المجلس وفوضه بموجب القرار 2803 مهمات حصرية، تتمثل فى الإشراف على المرحلة الانتقالية. وفى حين لا يذكر ميثاق المجلس غزة صراحة، كما يخلو من التمثيل الرسمى الفلسطينى، يسند إليه هدفًا أوسع، يتجلى فى تسوية النزاعات حول العالم. الأمر الذى يغذى المخاوف من تمتعه بتفويض يخوله إعادة تشكيل النظام الدولى بقيادة ترامبية، عبر أطر بديلة لمنظومة الأمم المتحدة. إذ يشى ميثاقه باتساع نطاق اختصاص المجلس، الذى سيترأسه ترامب شخصيًا. فقد ورد فيه: «مجلس السلام منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، استعادة الحوكمة الموثوقة والقانونية، وتأمين سلام دائم فى المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات».
وينتقد النص المؤلف من ثمانى صفحات «المقاربات، النهج والمؤسسات، التى أدمنت الفشل»، فى إشارة إلى الأمم المتحدة، داعيًا إلى امتلاك الشجاعة للتخلى عنها، ومشدّدًا فى الوقت ذاته على الحاجة إلى منظمة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام. وفى مسعى منه لطمأنة المجتمع الدولى، أكد ترامب من دافوس أن مجلس السلام منظمة دولية تعمل بالتنسيق والشراكة مع الأمم المتحدة.
بصفته رئيس المجلس، منح ميثاقه ترامب صلاحيات واسعة، تتيح له تعيين الأعضاء وعزلهم، على ألا يُنقض قراره إلا بأغلبية ثلثى الأعضاء. كما يعطيه حق النقض (الفيتو) على قرارات المجلس، إذ ينص على أنها تُتخذ بأغلبية الدول الأعضاء الحاضرة والمصوّتة، رهنا بموافقة الرئيس الذى يحق له الإدلاء بصوته حال تعادل الأصوات. ويخوله كذلك سلطة حصرية لإنشاء أو تعديل أو حل الكيانات الفرعية عند الضرورة، أو بما يراه مناسبًا لتحقيق مهمة مجلس السلام، بما فى ذلك اللجنة التنفيذية المعنية بغزة، أو هيئات مماثلة تُنشأ لنزاعات أخرى. وسيكون وحده المخوّل دعوة قادة آخرين للانضمام إليه أو إلغاء مشاركتهم. ويشترط على كل دولة تبتغى مقعدًا دائمًا بالمجلس دفع أكثر من مليار دولار. حيث يذكر الميثاق أنّ
كل دولة عضو تتمتع بولاية أقصاها ثلاث سنوات من تاريخ دخول الميثاق حيّز التنفيذ، قابلة للتجديد من جانب الرئيس. ولا يسرى الأمر على الدول الأعضاء التى تدفع أكثر من مليار دولار نقدًا إلى المجلس خلال السنة الأولى التى تلت دخول الميثاق حيّز التنفيذ. ويخطط ترامب لمواصلة إدارة مجلس السلام حتى عقب انتهاء ولايته الرئاسية بعد ثلاث سنوات، حيث جاء فى القرار الأممى أن مجلس السلام يترأسه ترامب، وليس رئيس الولايات المتحدة، ما يعنى أن التفويض مُنح لشخصه. وبينما شدّد القرار على أن سريانه يمتد حتى نهاية ديسمبر 2028، سيتطلب استمرار عمل المجلس بموجب التفويض الأممى صدور قرار من مجلس الأمن.
ما إن يباشر مجلس ترامب للسلام مهامه المثيرة فور إطلاقه، حتى يستنفر حلفاء واشنطن وخصومها فى آن؛ لرفض المساعى الترامبية للهيمنة عليه، توطئة لطَى صفحة الشرعية الدولية، عبر إعادة حوكمة النظام العالمى الوستفالى لعام 1648، والنظام الدولى القائم على القواعد، الذى أسهمت واشنطن فى تأسيسه عام 1945. حيث لا يرعوى عن تقويض دعائم النظام الليبرالى المرتكز على الدبلوماسية متعددة الأطراف، التجارة الحرة، سيادة القانون، احترام سيادة الدول، والسلامة الإقليمية، ليقيم على أنقاضه نظامًا عالميًا جديدًا يكرس تغيير الحدود الدولية عبر القوة المطلقة، ويقوض مبدأ السيادة، مثلما يفعل بوتين ونتنياهو. فوفقًا لعقيدة ترامب، القائمة على مبادئ «أمريكا أولاً» و«إعادة أمريكا عظيمة»، يتم تقديم المصالح الأمريكية على ما سواها، حتى أقرب الحلفاء، فضلاً عن قطع الطريق على تعاظم النفوذين الصينى والروسى عالميًا، وإطالة أمد الأحادية القطبية الأمريكية من خلال استخدام الرسوم الجمركية سلاحًا جيوسياسيًا، والاستحواذ على ثروات العالم، سواء عبر اتفاقات اقتصادية وتجارية مجحفة، أو بالضغوط الاقتصادية والعسكرية.
طيلة ثمانية عقود دخلت، ظلت واشنطن تقود العالم، إن فى زمن القطبية الثنائية، أو حقبة الهيمنة الأحادية، بدعم من حلفائها الغربيين، الذين شاركوها الانتصار على دول المحور فى الحرب العالمية الثانية، ثم الاتحاد السوفيتى فى الحرب الباردة. لكن ترامب اليوم يؤثر الانفراد بقيادة نظام عالمى جديد من دون شركاء بلاده الأطلسيين فى العالم الغربى القديم. حيث أكدت استراتيجية الدفاع الوطنى لعام 2026 التزامهم تحمل كلفة الدفاع عن أنفسهم بدعم أمريكى «أكثر محدودية» لإعطاء الأولوية للأمن الداخلى، أمن الأمريكتين، وردع الصين. ما ينذر بتفكك أوصال التحالف الأوروأطلسى، عبر الزج بأولئك الشركاء فى براثن الصين، التى أضحت العلاقات معها أكثر موثوقية وقابلية للتنبؤ. فمؤخرًا، قام رئيس الوزراء الكندى بزيارة بكين، أبرم خلالها اتفاقًا لخفض الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية مقابل تسهيلات للمنتجات الزراعية الكندية، متوخيا بذلك توسيع خيارات بلاده الجيوسياسية فى مواجهة تقلبات العلاقة الجيو-اقتصادية المتوترة مع واشنطن، التى كان سلفه منخرطًا معها فى استراتيجية احتواء الصين. وفى السياق ذاته، تأتى زيارة رئيس الوزراء البريطانى لبكين، بغية تعزيز الشراكة الاقتصادية، إحياء اتفاقية حوار الأعمال لاستعادة عصر علاقاتهما الذهبى، وتفعيل أطر التعاون بما يواكب التحولات الجيوسياسية الراهنة وتقلبات الشراكة القلقة مع واشنطن.
وأثناء كلمته فى منتدى دافوس، طالب نائب رئيس الوزراء الصينى باحترام التعددية وحرية التجارة، وحذر من الارتداد إلى قانون الغاب، وشدد على ضرورة حماية النظام الدولى من النزعات الأحادية، التى ترهن مصير البشرية بمغامرات دول تقدم مصالحها على الأمن والاستقرار العالميين. وبينما أعرب رئيس الوزراء الكندى عن أسفه لأفول النظام الدولى القائم على القواعد بغير رجعة، حذر المستشار الألمانى من مخاطر عالم لا تحكمه سوى القوة، ليس على الدول الصغيرة والمتوسطة فحسب، وإنما حتى بالنسبة للدول الكبرى، مستحضرًا تجربة ألمانيا النازية فى أربعينيات القرن الماضى، إذ تبنت نهجًا مشابهًا لذلك الترامبى الراهن؛ فأوردها والعالم من ورائها موارد التهلكة.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة