x قد يعجبك أيضا

درس ثورة يناير.. فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى

الإثنين 26 يناير 2026 - 6:40 م

عقب أدائه اليمين الدستورية وتسلمه مقاليد السلطة بعد اغتيال سلفه أنور السادات، تعهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك بمكافحة الفساد والتصدى للفوضى واحترام القانون، مؤكدا أنه «لن يحكم مصر مدى الحياة» وأن الديمقراطية ستكون القاعدة التى يحتكم إليها نظامه. 

 


فى حينها بدت تلك الوعود وكأنها بداية قطيعة مع الماضى، لكنها تحولت سريعا إلى مقدمة لحكم امتد ثلاثين عاما.
خلال تلك السنوات، أحكم مبارك قبضته على السلطة، متجاهلا كل دعوات بناء مؤسسات الدولة وفق قواعد دستورية وديمقراطية. لم يكتف بذلك، بل حاصر وقمع أى محاولة جادة لتأسيس بديل مدنى يمكنه ملء أى فراغ محتمل فى هرم الحكم. 
وبدعوى «مكافحة الإرهاب»، وضع المجتمع كله بين مطرقة أجهزة الأمن وسندان القوانين الاستثنائية، فتمدد القمع، وتراجعت السياسة، وتآكلت الحريات.
مارس النظام، عبر أجهزته وحزبه الحاكم، كل موبقات السياسة؛ من هندسة وتزوير كل الاستحقاقات الانتخابية، إلى حصار الصحافة وتجميد الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى، وصولًا إلى اعتقال المعارضين وإحالتهم لمحاكم غير مختصة. 
وفى نهايات عهده، ومع التمهيد لمشروع «التوريث»، أتاح النظام هامشا محسوبا من الحريات الإعلامية، وسمح بدخول معارضين محدودين إلى البرلمان، فى محاولة لإيهام الداخل والخارج بأن «إصلاحا» ما يلوح فى الأفق، وأن الدولة التى كانت تتعرض لضغوط غربية قطعت شوطا فى مسار الديمقراطية.
وعندما قررت قوى المعارضة تنظيم صفوفها وخوض الانتخابات البرلمانية نهاية 2010، تعاملت السلطة بخشونة وزورت الانتخابات لصالح مرشحى الحزب الوطنى الذى حصد 423 مقعدا من أصل 508، وحصل المستقلون «الموالون» على 69 مقعدًا، فيما لم تحصل المعارضة إلا على 15 مقعدا.
أهدر مبارك فرصا متتالية لتصحيح المسار، وتخيل أنه قادر على البقاء ما دام «فى الصدر قلب ينبض»، فرغ السياسة من مضمونها، وتلاعب بالدستور، وأضعف الأحزاب، وهمش المجتمع المدنى، حتى تحولت مصر إلى «نظام الحزب الواحد والرجل الواحد والصوت الواحد»، عندها، لم يعد أمام الناس سوى الشارع.
تقرير لجنة تقصى الحقائق حول أحداث ثورة 25 يناير، التى تشكلت بعد أسابيع من اندلاعها برئاسة المستشار عادل قورة وأمانة المستشار عمر مروان، رصد بوضوح أسباب الانفجار؛ إذ أشار إلى أن الفساد السياسى، وغياب الحريات العامة، وصناعة ديمقراطية شكلية، وغياب العدالة الاجتماعية، واتساع الفجوة بين الطبقات، وتخلى الدولة عن مسئولياتها الاجتماعية، وانتشار الرشوة والمحسوبية بوصفها ثقافة يومية، كانت الوقود الحقيقى للثورة.
التقرير الذى وصف 25 يناير بأنها «ثورة اجتماعية كاملة شكلت فاصلا بين عهدين» أكد أن القمع الأمنى والتضليل الإعلامى وإقصاء الرأى العام دفعت الشباب إلى النزول السلمى للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية. كما لفت إلى أن القراءة الخاطئة لمزاج الشارع، واحتكار المعلومات، وإقصاء المواطنين عن المشاركة، أدت إلى انفجار سياسى مفاجئ.
وتحدث عن أن تدهور الأحوال المعيشية، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وانتشار البطالة والفساد، كانت ضمن العوامل التى دفعت لتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية قبل الثورة، التى تحولت إلى سياسية وانتهت شاملة. 
كما حمل التقرير النظام مسئولية إضعاف الأحزاب الحقيقية والنقابات المهنية والاتحادات العمالية، ما خلق فراغًا سياسيًا لم يعد يملأ إلا بالخروج إلى الشارع. وقال إن الاحتقان بلغ ذروته مع محاولات توريث الحكم، واصفًا ما جرى من استحقاقات فى حقبة مبارك بـ«الشكلية»، خاصة انتخابات 2010، التى انتهت بسيطرة شبه كاملة للحزب الوطنى على البرلمان، فى غياب أى أفق للتغيير من داخل المؤسسات؛ عندها، أصبح ميدان التحرير بديلًا عن البرلمان الذى صودرت إرادته.
فى الختام حذرت اللجنة من تكرار الأخطاء نفسها، وحتى لا تعاد الكرة دعا تقريرها إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على العدل والمساواة، ورفع يد الأمن عن مؤسسات الدولة، وإعادة النظر فى القوانين المقيدة للحريات، واحترام إرادة الجماهير، وضمان إجراء انتخابات تنافسية نزيهة تضمن تداولا حقيقيا للسلطة، ودعم حرية التعبير واستقلال القضاء والصحافة، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
تجاهل ما جرى قبل يناير، لن يبنى دولة مستقرة، الضمانة الوحيدة لعدم تكرار الانفجار، هى بناء نظام ديمقراطى حقيقى، يحتكم فيه الناس إلى صناديق اقتراع تحترم إرادتهم.. ذلك هو الدرس الذى يجب أن نستدعيه مع كل ذكرى لخروج الملايين فى الشوراع للمطالبة بـ«العيش والحربة والعدالة الاجتماعية».

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة