كنت فى اجتماع عمل بعد فترة إجازة، ويبدو أننى تحمست قليلاً فى النقاشات وطرح الأسئلة والأفكار الجديدة. الأمر الذى دعا أحد الزملاء لينظر إلىَّ ويتساءل: «هل هذه من نتائج الإجازة؟». وبغض النظر عن نتائج إجازتى فأتذكر قبل سنوات طويلة نقاشى مع أحد الأصدقاء القياديين فى القطاع الحكومى والذى كنت أشكو له ضغوطات العمل وتأثيرها على صحتى ونفسيتى. وكانت نصيحته لى بأخذ إجازة فورية والذهاب إلى جزيرة منعزلة وقطع خط الهاتف والانعزال تماما عن الأجهزة التقنية والشاشات لأتمكن من شحن طاقتى والعودة بقوة إلى العمل. وللأمانة أعجبتنى الفكرة جدا ولكن لم أتمكن من تطبيقها وأشك فى أننى سأفعل.
مسئول آخر من معارفى كان يتحدث عن نصيحة طبيبه النفسى له بأن يبحث عن هواية أو شىء يهرب له من العالم كلما أحس بالضغوط الشديدة وعدم القدرة على الاحتمال. قد يكون هذا المهرب هو رسم لوحات أو لعبة فيديو وصناعة فخار وخلافه. كل إنسان يحتاج لأن يجد المهرب المناسب له والذى يستعيد فيه عافيته ونشاطه.
هذا الحديث عن العالم المتلاطم والمزدحم بالمشاغل يقود إلى منشور للأستاذ بدر الفيلكاوى الخبير فى الثقافة اليابانية والذى نقل عن كاتب يابانى تحدث عن مبدأ «يوهاكو»، والذى يناقش نمط الحياة العصرى الذى فرض على الكثيرين الانشغال بفعل أكثر من شىء فى آن واحد كأن نأكل ونتفرج أو نستحم ونحن نستمع لمقاطع مما جعلنا نفقد القدرة على الاستمتاع بكل منها ويقود إلى الفراغ العاطفى.
هذا الأمر شجع الكاتب اليابانى على التوقف عن «تعدد المهام» وممارسة كل نشاط على حدة. النتيجة كانت مبهرة. الأفكار بدأت تنبثق عندما توقف الضجيج، ومع توفر لحظات من الهدوء، استطاع العقل تنظيم الفوضى. فى الوقت الذى يعتقد الكثيرون أنهم يفتقرون للوقت الكافى للتفكير، فى الحقيقة ما يحتاجون إليه هو السكون. وكان القرار بتخصيص وقت يوميا عنوانه «اللاشىء» لتفادى الإجهاد الذهنى.
ويعلق الكاتب اليابانى بأن الملل لم يعد عدوًا، بل أصبح «هامشًا» ضروريًا لاستعادة الحيوية، مع التعهد بالالتزام بهذا الهامش طيلة العمر.
من ناحيته يعلق أ. بدر بأن مفهوم يوهاكو والذى يعنى «المساحة البيضاء» أو «الهامش الفارغ» فى اللوحات الفنية، يعتبر الفراغ جزءا مهما من العمل الفنى. وتطبيق مفهوم «الفراغ الفنى» على «الفراغ الذهنى»، تجعل الملل ليس عيبا بل المساحة البيضاء التى تمنح الحياة معناها وقيمتها.
ورغم عدم استطاعتى تنفيذ نصيحة الجزيرة فهنالك أساليب ممتازة لتطبيق مبدأ يوهاكو أو الانفصال بشكل جزئى عن الضجيج والعالم كل يوم. ومن هذه النصائح ما يلى:
-الاستماع ولو لدقائق بسيطة فى طريقك للعمل أو الدراسة لتلاوة من القرآن الكريم لأنها طمأنينة ورحمة تنزل على قلبك.
-تخصيص وقت يوميا لممارسة المشى أو السباحة أو الجرى أو أى نشاط رياضى أو هواية تستهويك ولو لنصف ساعة على الأقل.
-الاستمتاع بأدق التفاصيل وأبسط اللحظات ولو كانت فنجان قهوة، رائحة طيب أو منظر السماء والزرع.
وباختصار، ازدحام جدول الأعمال والاجتماعات للمدير دوما قد لا يكون بالضرورة مؤشرا إيجابيا، بل إن إضافة الفراغات الذهنية وتطبيق مبدأ يوهاكو يمنحك الفرصة للتفكير بذهن صاف وطرح أفكار جديدة ومختلفة والعمل بكفاءة وإنتاجية أعلى.
وختاما، لولا الملل ولولا الفراغ لما عرفنا قيمة الانشغال ولذة الإنجاز والعمل.
عصام أمان الله بخارى
جريدة الرياض السعودية