سافرت إلى شلاتين فى جنوب شرق مصر من أجل استكشاف إمكانية تسجيل رسالة دكتوراه عن جبل إلبا (عـِـلبة Elba) الحق أقول إن شلاتين لم تكن وجهتى، بل توقفت فيها مصادفة حين مرت بها حافلة النقل العام التى جاءت بالمدرسين وبعض الأطباء وبعض العاملين.
كنت قد ارتحلت أولا بالقطار من القاهرة إلى إدفو، وفى إدفو بحثت عن حافلة تسافر إلى شلاتين، لكن الحافلات والسفر تعطل ثلاثة أيام بسبب اندلاع عواصف ممطرة حولت وديان الصحراء الشرقية إلى أنهار جارية.
فى ذلك العام انهمرت أمطار عاصفة على جبال البحر الأحمر فانحدرت السيول إلى نهر النيل. جاءت الأودية بالصخور الحمراء والسوداء والصفراء والرمال والحصى وألقت بها عند مشارف النيل ونزل بعضها إلى النهر فعليا حتى إن الناس فى إدفو امتنعوا عن تناول المياه من شبكة المياه فى المنطقة، واضطر كثير منهم إلى شراء قوارير مياه معبأة من المحال التجارية.
سمعت رجلا فقيرا يقول «سبحان الله.. النيل أمامى واشترى المياه بفلوس يا ناس»!
لا أذكر الكثير عن الفندق الذى أقمت فيه فى إدفو، كانت غرفة شبه مظلمة غير بعيد عن مقهى شعبى يجلب الونس حتى ساعات مبكرة من الصباح.

هذه الأجواء العاصفة التى أزعجت أهل إدفو كانت درسا جغرافيا مشجعا لباحث مبتدئ مثلى، قرأ فى الكتب عن «ديناميكية» الوديان وتاريخ الأنهار القديمة فى الصحراء دون أن يفهم كيف يمكن لواد مثل عبّادى أو شعيت وخريت أن يساهموا فى مياه النيل كما كانوا ملايين السنين فيجلبون مياه حمراء وصفراء وسوداء لونت مجرى النيل حتى صار عكرا هائجا.
شعرت بسعادة بالغة، ذلك أنى كنت قد أنهيت الماجستير قبل أشهر قليلة، فى منطقة ساكنة لا تعرف هذه الديناميكية. كنت قد درست خليج العرب فى الساحل الشمالى؛ حيث برج العرب والحمام والعلمين والضبعة وبحيرة مريوط. أدركت أن دراسة الماجستير كانت أفضل «حمام سباحة» صغير بالنسبة للمحيط العميق الذى ينتظرنى.
وصلنا إلى شلاتين فتوقفنا ساعة، تسكعت فى محطة التوقف إلى حين موعد المغادرة إلى وجهتى فى «أبو رماد» ومن هناك لابد أن أستطلع إمكانية تسجيل رسالة دكتوراه عن حلايب وجبل عـلبة.
فى عام 1997 كانت شلاتين بلدة متواضعة للغاية، لم أشاهد حولى سوى سيارات نقل ضخمة تحمل الإبل الوافدة من السودان الشقيق ويبدو أنها فى طريقها إلى الأسواق المصرية، لم أكن على دراية هل تسافر مباشرة إلى سوق الجمال فى القاهرة أم تنعطف أولا على سوق «دراو» فى كوم أمبو شمال أسوان.
لكن أكثر ما لفتت انتباهى من عربات النقل نوع قديم أزرق اللون يعود إلى زمن الحرب العالمية الأولى، يحمل كميات هائلة من بضائع لا يمكن أن تعرف هويتها.
اقتربتُ من سائق واحدة منها، كان من أشقائنا فى السودان سألته عن حمولته فقال لى «فـهم!.. فهم!»
«الفحم» إذن هو تلك البضاعة الثانية التى تأتى إلى شلاتين مع الإبل.
سيكون لى مع عربات نقل «الفهم» ذكريات حلوة بعد ذلك، وسأدين لسائقيها بالكثير، فخلال سفرى الاستكشافى فى المنطقة الساحلية كنت أنزل إلى الطريق القادم من السودان والداخل إلى مصر وأنتظر سيارات الفحم لأركب مجانًا مع العمال طالبا أن أنزل فى أقرب واد على الطريق بعد 20 أو 30 كم.
خرجنا من شلاتين قاصدين أبو رماد، تلك البلدة الصغيرة التى يقول المؤرخون إنها أقرب موقع جغرافى للميناء الإسلامى الشهير «عيذاب»، ميناء الحج الذى ركب منه بن جبير وبن بطوطة وأشهر الرحالة العرب فى طريقهم إلى مكة على الوجهة الأخرى من البحر الأحمر.
ودعت شلاتين غير آسف، الحقيقة أن شلاتين لم تكن تصلح لأن أدرجها فى خطة الدكتوراه، فأنا ضيق الأفق وقتها، لا يعنينى من الدنيا الفسيحة سوى علم الجيومورفولوجيا (تضاريس الأرض) وشلاتين بلا تضاريس، لا حاجة لى بها.. إنها منطقة مستوية تماما عديمة الملامح إلا من شعاب مرجانية قبالة البحر.. وسهل رملى فسيح.
فى شلاتين تسأل نفسك: كيف تشكل هذا السهل الفسيح وهذه الدلتا الصحراوية الهائلة، التى لو قدر أن سقطت فيها الأمطار لأصبحت مروجا وحقولا وحدائق وبساتين.
نحن الآن نعيش عصر الجفاف، وقد مضت عشرات آلاف السنين على الأمطار الوفيرة، ومضت ملايين السنين على الأنهار الدائمة التى كان لها الفضل فى تكوين النهر العظيم الذى شكل الدلتا الهائلة فى شلاتين، ذلك النهر الذى صار جافا الآن ومعروف على الخرائط باسم «حوضين».
أكتب هذه السطور فى نوفمبر من عام 2025 بعد أن عدت مجددا إلى «حوضين»، لكننى لم أركب حافلة إلى هناك بل جلست أنظر فى الخرائط أدرس الوادى من صور الأقمار الصناعية، والخرائط الطبوغرافية والتقارير القديمة التى يعود بعضها إلى زمن الاحتلال الإنجليزى فى عام 1913.
ما قصة حوضين؟ وما أهميته؟ ولماذا يحتل تلك المكانة البارزة فى تضاريس جنوب شرق مصر؟ ولماذا يقف بعيدا بنحو 30 كم عن شلاتين فلا يعرف الغرباء شيئا عنه.
سأجرب أن اكتب عنه فى لقاء مقبل بإذن الله.