كأس الأمم الإفريقية.. أزمة كرة أم مجتمع؟

الثلاثاء 27 يناير 2026 - 6:40 م

 

قد يبدو للبعض سؤالا غريبا يأتى من امرأة، وماذا تفهم النساء عن كرة القدم؟  لكنى كنت دائما مولعة بكرة القدم، وإن كان عدد النساء المهتمات بكرة القدم فى جيلى قليلا نسبيا بالمقارنة بالوقت الحالى. فقد كنت فى الستينيات ألعب الكرة مع أخى وأصدقائه الصبيان، وكانت أمى ترى أنها لعبة الأولاد فقط. أما الآن، فنرى أن مصر بها فرق للبنات تتنافس محليا ودوليا على الألقاب، بل إن فريق «مسار» الكروى استطاع الوصول للمرتبة الثالثة إفريقيا العام الماضى.

تمتعت مثل كل المصريين بمشاهدة صالح سليم ويكن ثم الخطيب ومصطفى عبده ثم فاروق جعفر والمعلم حسن شحاتة ثم أبو تريكة والثنائى حسام وإبراهيم حسن أدى هؤلاء اللاعبون واجبهم على خير وجه واستطاعوا تحقيق الألقاب. فماذا حدث للكرة المصرية؟ ولماذا أصبحنا غير قادرين على تحقيق الألقاب؟ فى رأيى، منظومة كرة القدم تعكس الكثير مما يحدث على ساحات مختلفة فى المجتمع المصرى ومن ثم تعانى من مشكلات لها علاقة بالالتزام، الطموح، الجدية، والتخطيط. ومع أن هناك الكثيرين الذين لا ينقصهم التفانى فى العمل ولا تنقصهم المهارة والابداع إلا أن الإطار الكلى لا يزال يعانى من الخلل، فيصبح التفانى حالة فردية مرهونة بالظروف وبقدرة صاحبها على الاستمرارية فى تحقيق الإنجاز. أما المهارة والإبداع، فكيف نضمن لهما التجلى إذا كانت الصورة الكبيرة لا تدعمهما بالشكل المطلوب؟

كرة القدم ليست مجرد لعبة رياضية، بل هى لغة عالمية تجمع الناس رغم انتماءاتهم المذهبية، وأوضاعهم الاقتصادية، أو لغاتهم الأصلية. وفى مصر تلعب كرة القدم دور التوحيد بين أطياف الشعب. نعم، كانت كرة القدم دائما بمثابة الحدث الوطنى الذى يفرغ فيه كافة المشجعين طاقاتهم التشجيعية لرفعة اسم مصر وتحقيق الانتصارات. فى الدورة الحالية لكأس الأمم الإفريقية، كان هناك العديد من الأصوات التى تشكك فى قدرة الفريق المصرى على التنافس على اللقب، بل وتدحض إمكانية الفريق فى الوصول حتى إلى الربع نهائى. لكن الذى حدث بالفعل أن الفريق المصرى استطاع الوصول إلى المباراة النصف نهائية أمام الفريق السنغالى.

فما الذى حدث يوم المباراة؟ ولماذا لم يهاجم الفريق المصرى بقوة رأيناها فى الربع نهائى أمام كوت ديفوار حامل اللقب؟ بالطبع الحذر مهم جدا فى كرة القدم، ولكنه لا يبرر الدفاع المستمر وعدم الهجوم، فالدفاع لا يجب أن يكون سببه الأول والأخير الخوف من المنافس. الإحصاءات تقول: تسديدات على المرمى: مصر ١ (فى آخر ١٠ دقائق، بعد هدف السنغال) مقابل ٤ من السنغال، الاستحواذ: مصر ٣٥ ٪، والسنغال ٦٥٪، الضربات الركنية: مصر ١ فى مقابل ٦ للسنغال. معنى هذا إن مصر «لم تلعب» بجد إلا لدقائق قليلة. فلماذا يصدمنا انتصار السنغال وهو الفريق الذى استمر فى حالة هجوم معظم وقت المباراة؟

التوازى الذى أراه بين وضع كرة القدم والمجتمع المصرى فى صورته الكبيرة يتضح على أكثر من مستوى، وأود أن أسلط الضوء هنا على التشابه الكبير بين أداء فرقنا الكروية وتوجهنا كشعب فى التعامل مع التحديات. لقد تعودنا على التركيز على أمجادنا الكروية، وعن حق، فمصر صاحبة الرقم القياسى فى عدد مرات التتويج الذى غاب عنها منذ ٢٠١٠. مصر أكثر الدول الإفريقية مشاركة فى المسابقة. حققت التتويج فى نسخته الأولى ١٩٥٧، وكانت أول دولة تحقق اللقب مرتين متتاليين، ثم ثلاثية بين ٢٠٠٦ و٢٠١٠ تحت قيادة المتميز حسن شحاتة. لكن الوضع فى السنوات الأخيرة يظهر لنا أن أبناء الفراعنة يعانون، وأن الأداء لا يرتقى إلى مستويات الفرق المنافسة. الفجوة بين التاريخ والواقع كبيرة، وللأسف تزداد. فما وجه الشبه بين هذا وتوجهنا فى التعامل مع تحديات الحياة؟ أرى أننا فى كثير من الأحيان نرتكز على أمجاد الماضى، والمشكلة هنا ليست بالطبع فى شعورنا بالفخر والتفوق، بل فى التقليل من المنافس أو تحميل الآخرين أو الظروف مسئولية الإخفاق.

لقد تصادف أنى شاهدت فى نفس يوم مباراة مصر ونيجيريا مباراة أخرى فى الدورى الإنجليزى بين العملاقين مانشستر سيتى ومانشستر يونايتد. هذان الفريقان يشبهان إلى حد كبير فريقى الأهلى والزمالك. ينافس السيتى على صدارة الدورى الإنجليزى هذا العام بينما يحاول يونايتد أن يتمركز ضمن الأربعة الأوائل ليضمن اللعب فى مسابقة أبطال أوروبا. انتهت المباراة بفوز اليونايتد الذى لعب مهاجمًا منذ البداية مع تأمين مرماه عن طريق الدفاع الواعى. لم يتوقف اللعب عند كل التحام بين اللاعبين الذين التزموا باللعب الجماعى وتحركوا فى منظومة رائعة فكل واحد يعرف تماما أين الزميل الذى سيعطى له الكرة، وبسرعة. العكس تماما شاهدته فى مباراة مصر ونيجيريا. وتساءلت: لماذا يبدو لاعبونا تائهين؟ لماذا يأخذ اللاعب الكرة ثم يبحث عن لاعب يعطيها له؟ لماذا يلتف اللاعبون حول بعضهم البعض فى حين أن الملعب الواسع يعانى من عدم التمركز الاستراتيجى؟  هذه الملاحظات ترتبط فى ذهنى بالصورة الكبرى لنا كأفراد فى المجتمع حين يغيب التخطيط والعمل الجماعى.

الكرة ما هى إلا جزء من منظومة اجتماعية أكبر نجدها على المستوى اليومى فى المدارس، فى الشوارع وفى العمل. وبينما نجد أن الكفاءات المتاحة قادرة على تحقيق الإنجازات، نجد أن هناك فجوة بيّن الكفاءات وطريقة توظيفها. ويتوازى هذا مع تناقض قدرة المجتمع على الإنجاز وحجم الإنجاز ذاته. كيف؟ سؤال كبير ومحاولة الإجابة عليه لابد وأن تطرح إلى مستويات عدة. ربما يأتى أولها من داخل البيت: كيف نربى أولادنا؟ وما هى المعايير الأخلاقية والقيم الإنسانية التى نؤكدها؟ وهل تتناغم هذه المعايير والقيم مع الاحتياجات والأهداف المجتمعية الكبرى؟ ربما يكون طرح هذه الأسئلة مفيدًا كبداية.

أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة