«ساعة يوم القيامة» تقترب.. رعب نووى!

الثلاثاء 27 يناير 2026 - 6:35 م

 

قبل ساعات من إعلان التوقيت الجديد لـ«ساعة يوم القيامة» لعام 2026، وهى المؤشر الرمزى الذى يضبطه علماء نشرة علماء الذرة (Bulletin of the Atomic Scientists) منذ سنة 1947 لقياس مدى اقتراب البشرية من الكارثة الوجودية، يبدو العالم، وكأنه يندفع نحو حافة لم يعد أحد يثق بقدرة العقل السياسى على التراجع عنها؛ فالساعة لا تتنبأ بالمستقبل، لكنها ترصد الحاضر حين يبلغ درجة الخطر القصوى، وعلى رأسه الخطر النووى.

فى سنة 2025، وُضعت عقارب الساعة عند 89 ثانية قبل منتصف الليل، وهو أقرب توقيت منذ تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية. واليوم، مع اقتراب إعلان 2026، تتراكم المؤشرات التى تجعل أى تحسّن أمرًا صعب التصديق؛ فالخطاب النووى لم يعد من المحرّمات، بل عاد إلى قلب السياسة الدولية، تُلوّح به قوى كبرى، وتدرسه قوى إقليمية باعتباره الضمان الأخير للبقاء فى عالم مضطرب.

• • •

العالم يعيش لحظة انكشاف نووى خطيرة. روسيا تواصل التلويح بسلاحها النووى فى سياق حرب أوكرانيا، وكوريا الشمالية ترفع وتيرة تجاربها الصاروخية، والولايات المتحدة تعود فيها أصوات نافذة للمطالبة بتحديث الترسانة النووية وربما استئناف اختبارات كانت مجمّدة. الأخطر من ذلك، كما حذّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسى، هو احتمال ارتفاع عدد الدول المالكة للسلاح النووى من تسع إلى ما بين عشرين وخمس وعشرين دولة خلال سنوات قليلة، فى مؤشر على انهيار فعلى لمنظومة منع الانتشار.

لم يعد السلاح النووى سرًا يدار فى الغرف المغلقة، بل خيارًا يناقش علنًا. لدينا دول كانت تكتفى سابقًا بالمظلّة النووية لحلفائها، باتت ترى فى امتلاك السلاح بنفسها الطريق الوحيد لردع الخصوم. وهنا يكمن الخطر الحقيقى.. حين يتحوّل النووى من «سلاح أخير» إلى أداة عادية فى حسابات القوة.

• • •

غير أن هذا النقاش العالمى يعانى اختلالًا بنيويًا فادحًا، يتمثل فى الصمت الدولى المزمن تجاه البرنامج النووى العسكرى الإسرائيلى، الخارج بالكامل عن رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وغير الخاضع لأى نظام تفتيش أو التزام قانونى. إسرائيل، التى يقدّر امتلاكها عشرات الرءوس  النووية، بقيت الاستثناء الصارخ فى نظام منع الانتشار، محمية بإرادة سياسية غربية تتغاضى عن هذا الواقع، بينما تشدَّد القيود والعقوبات على دول أخرى لمجرد الاشتباه أو الاقتراب التقنى. هذا الكيل بمكيالين لا يقوّض فقط مصداقية النظام الدولى، بل يغذّى سباقات تسلّح إقليمية كامنة، خصوصًا فى الشرق الأوسط.

فى هذا السياق، لا يمكن فصل القلق النووى العالمى عن التصعيد العسكرى الذى شهده شهر يونيو الماضى ضد إيران، والذى أعاد برنامجها النووى إلى واجهة الصراع الدولى. بغض النظر عن المواقف من طهران، فإن الرسالة التى تلقاها الإقليم كانت واضحة: من يقترب من العتبة النووية تُحسب له الحسابات، ومن يبقى خارجها يظل عرضة للضغط أو الضرب. هذه المعادلة الخطيرة كفيلة بإشعال سباق نووى إقليمى صامت، تدفع ثمنه شعوب المنطقة.

ما نعيشه اليوم، بحسب توصيف رئيسة نشرة علماء الذرة ألكسندرا بيل، هو «المرحلة الثالثة من العصر النووى»: مرحلة لا يحكمها توازن الردع الكلاسيكى، ولا أوهام نزع السلاح بل سباق تسلّح فى عالم متعدد الأقطاب، ضعفت فيه القواعد، وتآكلت الثقة، وارتفعت فيه كلفة الخطأ إلى مستوى وجودى.. فى هذه المرحلة، يصبح سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود خطرًا لا يقل عن الحرب المتعمدة.

• • •

وسط هذا المشهد القاتم، تبدو الدعوات إلى نزع السلاح النووى وكأنها تصرخ فى صحراء سياسية قاحلة. صحيح أن معاهدة حظر الأسلحة النووية دخلت حيّز التنفيذ، لكن القوى النووية الكبرى، ومن ضمنها تلك التى تحمى الترسانة الإسرائيلية سياسيًا، تجاهلتها ونجحت فى تفريغها من تأثيرها العملى. ومع ذلك، يذكّرنا دعاة نزع السلاح، ومنهم ناجون من هيروشيما وناجازاكى، بأن الردع ليس ضمانة أبدية، بل مقامرة طويلة الأمد على بقاء البشرية.

«ساعة يوم القيامة» لا تدق جرس إنذار نووى فحسب، بل تكشف نفاق النظام الدولى حين يغضّ الطرف عن خطر نووى «صديق» ويضخّم أخطارًا أخرى. وكل ثانية تقترب فيها من منتصف الليل هى تذكير بأن العالم لا ينقصه السلاح، بل ينقصه العدل فى تطبيق القواعد، والعقل السياسى القادر على كبح القوة حين تنفلت. السؤال الحقيقى لم يعد: هل ستتحرك العقارب هذا العام؟ بل: هل ما زال فى يد البشرية وقت كافٍ لتفادى الكارثة؟

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة