x قد يعجبك أيضا

ما يحتاجه معرض الكتاب

الثلاثاء 27 يناير 2026 - 10:17 م

 رغم المشكلات الاقتصادية التى تحدّ من قدرة الناس على شراء الكتب، لا يزال معرض القاهرة الدولى للكتاب يمثل حدثًا استثنائيًا بكل المقاييس، وأجمل ما فى المعرض أنه تحوّل إلى مناسبة شعبية، تتجاوز فى تأثيرها اهتمامات المثقفين ودوائرهم الضيقة، كما يتقاطع مع جميع الفئات والطبقات. لكن الفرح بالإقبال الجماهيرى لا يجوز أن يُلغى الحاجة إلى التفكير فى تطوير الصيغة الحالية للمعرض، ليبقى محافظًا على مكانته الرائدة.

أتابع المعرض عن قرب منذ سنوات عديدة، وأشارك فى عدد وافر من الفعاليات التى تسمح لى بتأمّل ما هو قائم والتفكير فيما هو مأمول، كما أن مشاركتى فى معارض عربية وعالمية أخرى تجعلنى شغوفًا بالمقارنة معها، بطريقة تعزّز ثقتى بقيمته وتفرّده كتظاهرة ثقافية شعبية. وأول مظاهر الثقة ترتبط بنجاحه الاستثنائى فى جذب عدد كبير من المثقفين العرب، وأغلب هؤلاء يأتى دون دعوات رسمية، وبالتالى فإن مكانة المعرض مستمدة من مكانة مركزية للثقافة المصرية لا تزال القاهرة تتمتع بها رغم صعود مراكز ثقافية أخرى. وهذا المعيار هو أول ما ينبغى الحفاظ عليه وتأكيده، فالقاهرة وحدها تستطيع أن تفعل ذلك.

لا يأتى الإيمان بتفرّد القاهرة استنادًا إلى نزعة شوفينية متطرفة، وإنما إدراكًا لما فيها من هبات تاريخية ينبغى البناء عليها واستثمارها وفق تصوّر بديل لما هو قائم حاليًا. فلم تعد الصيغة القائمة للندوات ملائمة لحاجات الجيل الجديد أو طموحاته، كما أن فكرة حشد المبدعين فى ندوات وأمسيات شعرية لا بد أن تتوقف، بحثًا عن صيغة أخرى من صيغ التفاعل والتأثير.

قرأت انتقادات كثيرة لضعف الإقبال على الندوات، وهو حكم قاسٍ إلى حد كبير، كما لا يجوز تعميمه، لأن ندوات أخرى شهدت إقبالًا جماهيريًا، وبعضها شهد حضورًا نوعيًا متفرّدًا.

وبالتالى ليست المشكلة فى وجود الندوات، وإنما فى طبيعة القضايا المطروحة، التى لا تتناسب مع جمهور عابر يأتى لأداء مهام محددة. ولا أعتقد أنه من المناسب تناول قضايا نقدية أو فكرية على هذا القدر من التخصص، فهى بطبيعتها تحتاج إلى فضاء أكاديمى أكثر من حاجتها إلى فضاء عمومى.

تمتّعت الندوات فى الماضى بالحضور الجماهيرى، لأنها كانت تؤدى الدور الذى أدّته فيما بعد برامج الـ«توك شو»، وكلنا نعرف اليوم ما تعانيه تلك البرامج التى انصرف عنها الجمهور، كما انصرف عن ندوات المعرض. وأتصوّر أن البديل هو التركيز على ندوات نوعية وضيوف مؤثّرين، بنظام المحاضرات الرئيسية التى تقوم على متحدث واحد ومقدّم ناجح.

لا ينبغى للمعرض التورّط فى ثقافة الحشد أو ملاحقة موضات «المؤثّرين» الذين أوجدتهم منصات التواصل الاجتماعى، فهذا التورّط أضرّ بمعارض الكتاب فى دول كثيرة بل أتصوّر أنه مطالب بأن يكون منصة نقدية لما يجرى الترويج له.

كلنا نعرف أن ما نجح الدكتور سمير سرحان فى ابتكاره، كونه نجح من خلاله فى الاشتباك مع الفضاء العام وقضاياه، سواء كانت فكرية أو سياسية أو اقتصادية. ونتذكر كيف حوّل المعرض إلى «فاترينة» عرض للنخبة التى قادت البلاد خلال حقب كاملة.

فى ظنّى، لا يجوز اختصار المعرض فى مسألة العزوف عن الندوات أو الأمسيات الشعرية، لأنه أنجز خطوات ناجحة فى المقابل، وهو ما يُحسب للدكتور أحمد مجاهد، المدير الحالى لهذه الدورة، الذى قبل إدارة المعرض رغم ضيق الوقت الذى أُتيح أمامه لتطوير الفعاليات. وأبرز ما تم إنجازه فى هذه الدورة مرتبط بالكتاب، نظرًا لإدراك مجاهد لطبيعة المعرض، فهو ليس ساحة للندوات، وإنما سوق للكتاب.

للمرة الأولى هذا العام تم تخصيص مساحة لبيع وتبادل حقوق النشر والترجمة مع ناشرين من العالم، والمؤكّد أن أيّة خطوة يقطعها المعرض لإبراز مكانته كسوق للكتاب هى أهم بكثير من الندوات التى يمكن عقدها فى مؤسسات أخرى تابعة لوزارة الثقافة.

وبناءً عليه، لا يجوز لوزارة الثقافة أن تكتفى بمبادرات وهدايا تقدمها للقراء، مثل «شنطة الكتب»، وإنما عليها أن تعود إلى بناء مكتبات عامة، أو استغلال الحجرات المغلقة فى قصور الثقافة لعرض الكتب وتسويقها، كما لا بد من تفكير فعّال للتعامل مع مشكلة ارتفاع أسعار الكتب باستعادة مشروع مكتبة الأسرة.

وفى تقديرى، فإن ما يحتاج إليه المعرض بالفعل، بخلاف المناخ الحر للحوار الذى يحتاجه كل منتدى، هو وجود كفاءة فى تسويق الفعاليات المصاحبة وطرق الإعلان أو الإعلام عنها. فلا يجوز أن تبقى الشاشات والمساحات الإعلانية داخل المعرض غير معنية بالبرامج المصاحبة أو الفعاليات الجماهيرية. وللأسف، فإن تلك المساحات تبقى مهدرة، ويكفى هنا الإشارة إلى العجز عن تسويق حفل مثل «مئوية أفلام يوسف شاهين»، فقد طُرحت التذاكر فى توقيت متأخر، ودون إعلان مسبق أو تسويق مبتكر، الأمر الذى جعل القاعة خالية من الناس، رغم جمال الحفل وعذوبة الأصوات التى قدّمت تلك الأغنيات.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة