جرَّب الفلسطينى، على امتداد الصراع، منذ نحو قرن، أشكالًا مختلفة من المقاومة، المسلحة وغير المسلحة: تارة عبر فوهة البندقية، وتارة عبر مائدة التفاوض، وتارة عبر الحوار على مستوى النُّخب من الجانبين. لم يترك بابًا إلاّ وطرقه من أجل استرداد حقوقه المشروعة. لم ييأس يومًا ولا ساعة واحدة. لم يتخل عن حلمه فى أن تكون له دولة ذات سيادة مثل سائر الدول. لم يستسلم للبطش الإسرائيلى، وإنما مارس حقه المشروع فى المقاومة، الذى كفلته له القوانين الدولية. كان ندًا للمحتل الإسرائيلى. لم يدعه يومًا يهنأ بما سلب ونهب. نغص عليه حياته طوال الوقت، وجعله فى حالة قلق دائم على وجوده.
فيما يخص الشكل الأخير من المقاومة، جرَّب الشاعر الكبير، محمود درويش، التحاور مع مثقفين ومفكرين إسرائيليين، بحكم مولده، ونشأته، وتعلمه فى إسرائيل، ثم عمله، لاحقًا، مع سياسيين إسرائيليين ضمن إطار الحزب الشيوعى الإسرائيلى، حزب «مكى»، وكتابته مقالات، فى تلك الفترة، عن ضرورة الحوار مع الآخر الإسرائيلى (مقال «من المونولوج إلى الديالوج»، الذى نشره فى مجلة «الجديد» الفلسطينية عام 1969م).
من بين الحوارات التى أجراها، محمود درويش، حوار أجراه مع المؤرخ الإسرائيلى، المعروف بمواقفه المنفتحة، للوهلة الأولى، على الآخر الفلسطينى، والمشككة فى كثير من السرديات اليهودية والصهيونية، قياسًا بعموم الجماعة الأكاديمية الإسرائيلية، شلومو زَند، مؤلف كتب: «اختراع الشعب اليهودى» (2008م)، و«اختراع أرض إسرائيل» (2012م)، و«عرق متوهم: تاريخ موجز لكراهية اليهود» (2020م)، وغيرها. التقى، شلومو زند، صديقه درويش، فى مدينة حيفا عقب حرب 1967م واحتلال إسرائيل لكثير من الأراضى العربية، وحدثه عن «حيرته إزاء البقاء فى إسرائيل أو مغادرتها»، على حد قوله، بسبب هذا النزوع التوسعى الإسرائيلى. لكن درويش شكك فى صدق نواياه، واعتبره جنديًا ومشاركًا فى الاحتلال، وَكتب قصيدة أهداها إليه عنوانها: «جندى يحلم بالزنابق البيضاء»، عساه يعيد النظر فى موقفه، قال فيها: «قلتُ ممازحًا: ترحل.. والوطن؟/ أجاب: دعنى.. إننى أحلم بالزنابق البيضاء/ أريد قلبًا طيبًا لا حشو بندقية/ أريد يومًا مشمسًا، لا لحظة انتصار مجنونة.. فاشية/ أريد طفلًا باسمًا يضحك للنهار/ لا قطعة فى الآلة الحربية». وعبَّر درويش، فى القصيدة، المهداة إلى زَند، عن التناقض بين ما يكتبه الأخير ويؤمن به، بوصفه باحثًا أكاديميًا، واستمراره فى العيش داخل دولة الاحتلال، والتجند فى جيشها، بل والقتل تحت رايتها، بقوله: «سألته: والأرض؟/ قال: لا أعرفها/ سألته: تحبها؟/ أجاب: حبى نزهة قصيرة/ أو كأس خمر.. أو مغامرة/ من أجلها تموت؟/ كلا!/ وكل ما يربطنى بالأرض من أواصر/ مقالة نارية.. محاضرة! (...) وكيف كان حبها.. يلسع كالشموس.. كالحنين؟/ أجابنى مواجهًا: وسيلتى للحب بندقية/ وعودة الأعياد من خرائب قديمة/ وصمت تمثال قديم/ ضائع الزمان والهوية!».
لم يتوقف الحوار بين المثقفين الفلسطينيين ونظرائهم من الإسرائيليين، حتى فى أحلك الظروف وأقساها، ولا حتى خلال حرب الإبادة على غزة. فقد صدر فى إسرائيل، مؤخرًا، عن دار نشر «مطعان» ديوان شعرى جديد للشاعر الفلسطينى، المحاصر مع أسرته داخل جحيم غزة، حسام معروف، فى طبعة ثنائية اللغة: عربية وعبرية، عنوانه: «البكاء مرتين أمام النهر»، ترجمته إلى العبرية، الباحثة والشاعرة، والمترجمة، ريم غنايم.
فى الأمسية التى أقيمت فى مدينة يافا بمناسبة إصدار الديوان باللغتين العربية والعبرية، شرح الشاعر، ابن غزة، عبر رسالة قصيرة مصورة، ما الذى دفعه إلى الموافقة على نشر ديوانه باللغة العبرية، قائلا: «أردت فتح حوار ثقافى، وإعلامى وأدبى مع القارئ العبرى. أردت أن أنقل صوتى، ذاتى، هويتى، مشاعرى وأحاسيسى إلى الجانب الآخر من المعادلة. من المهم بالنسبة لى أن يستشعر القارئ العبرى ولو للحظة معاناتنا، ولو حتى لدقيقة، لثوانٍ معدودة، عبْر سطر واحد من سطور القصيدة. كان ينبغى لهذا الحوار أن يجرى منذ فترة طويلة- ليس بالضرورة أن يكون حوارًا للمصالحة، وإنما حوار تعارف على الجانب الإنسانى لدى الآخر».
• • •
لكن السؤال الذى يفرض نفسه، إزاء حرص الفلسطينى على التحاور مع الإسرائيلى: هل يعبأ الإسرائيليون، حقًا، بالحوار؟! هل يمدون أيديهم إلى نظرائهم من الفلسطينيين؟ هل يريدون، بالفعل، أن يعرفوا عن الآخر الفلسطينى؟! هل يقيمون وزنًا لمعاناته؟! هل ينظرون إليه، أصلا، بوصفه إنسانًا، أم يشيطنونه طوال الوقت ويجردونه من آدميته؟ّ
تقول إيلانا هيمرمان: «إن معظم مواطنى إسرائيل لا يريدون أن يعرفوا على الإطلاق، ولا أن يستشعروا بالتأكيد أبعاد المعاناة (الفلسطينية) التى تستعصى على الفهم، التى ألحقتها، وما تزال تلحقها، دولتهم بأكثر من مليونين من سكان غزة. لا يريد معظمهم أن يعترف بأن حربًا بدأت كرد فعل عسكرى على ما قامت به «حماس» فى السابع من أكتوبر 2023م، قد تحولت، فى غضون أشهر معدودة، إلى عملية إبادة، ولم تعد حربًا. يؤيد معظم الإسرائيليين إبادة غزة. يمكننا سماع ذلك فى الشارع، فى وسائل الإعلام، ويمكننا أن نقرأه ونسمعه فى شبكات التواصل الاجتماعي، ومن وزراء وأعضاء كنيست».
هنا، تسترجع الذاكرة ما قاله الوزير، العنصرى المتطرف، بتسلئيل سموتريتش: «لا يوجد نصف عمل، يجب إبادة رفح، ودير البلح، والنصيرات إبادة تامة»، وما قاله عضو الكنيست، من حزب «ليكود»، نيسيم فاتورى: «يجب حرق غزة»، وهى تصريحات لم تلقَ استهجانًا من أى مؤسسة رسمية إسرائيلية.
تستطرد هيمرمان قائلة: «إن التدمير الممنهج، عبْر القصف المتواصل، ليلا ونهارًا، لكل بنى الحياة فى قطاع غزة، من مستشفيات، ومدارس، وجامعات، ومساجد، وكنائس، ومناطق زراعية، وللبنى التحتية للمياه والصرف الصحى؛ وفرض حصار خانق حال دون دخول الغذاء والعتاد الطبى، وتجويع السكان، وتدمير البيئة، لا يمكن أن يُسمَّى حربًا. إنها معركة استهدفت تدمير هذا القطاع من الأرض برمته. أولا، بهدف معلن لطرد سكانه منه أو لإرغامهم على مغادرته، ثم بعد ذلك -حين اتضح أن هذا الهدف غير قابل للتحقق- بهدف غير معلن لمنع إعادة إعماره أو إعادة تأهيل السكان لأجيال عديدة».
• • •
أشار، حسام معروف، إلى ما سبق أن صدرنا به المقال، من أن الشاعر، محمود درويش، قد أرسى مبدأ الحوار مع الآخر الإسرائيلى، فى حينه، مقدرًا أنه «لو استمر الشعراء الفلسطينيون والإسرائيليون فى هذا الحوار بدأب وشجاعة، فربما كان من الممكن منع بعض الحروب التى دفعت الشعبين إلى هذا الجحيم المستمر».
محمود درويش، فى الماضى، وحسام معروف فى الحاضر، نموذجان فقط من نماذج عديدة، تدل على حرص الفلسطينى على الحوار فى جميع الأوقات، وعلى أنه لا يلجأ إلى خيار البندقية إلا مضطرًا، على العكس مما قد يشيعه البعض عنه من «تسرع»، و«عنف»، و«عدم تقدير للعواقب».
يستعرض، حسام معروف، تجربته مع التجويع المتعمد، الذى مارسته إسرائيل ضد المدنيين العزل فى غزة، فى إحدى قصائده، عسى أن تجد صدى لدى الآخر الإسرائيلى، الذى تبلد إحساسه، وفقد إنسانيته، وكيف كانت التجربة أقسى من كل أهوال الحرب، حتى إنها شلت قدرته على الكتابة: «كتبت حتى فى وقت الطرد/ حتى تحت دوى القنابل. كتبت عن الأطفال الذين تبخروا، عن الأكفان التى لم نجدها من أجل تكفين الموتى، عن البيوت التى صارت رمادًا. كتبت حين كنت منهكًا، كتبت حين عصف بى الحزن، حين استبد بى الخوف. لكننى لم أكتب قط حين نهشنى الجوع. حتى مارس 2025م. كان هذا هو التاريخ الذى سكن فيه الجوع جسدى. حين كف عن أن يطرق الباب. مزق صدرى واستوطن بداخلى. الجوع يسلب أبسط القدرات الإنسانية: التركيز، الصبر، الإحساس، الرغبة فى قول شىء ما. يصبح التفكير من الكماليات، وتصبح الكلمات أحمالًا لا يمكن رفعها».
فعل الكتابة لدى حسام معروف فعلٌ مقاوم من ناحية، ومتحاورٌ مع الآخر من ناحية أخرى. فعلٌ يفرغ ما بداخل الشاعر الغزاوى من شحنة الصدمة التى سببتها لديه أهوال الحرب، ويكشف الوجه القبيح لإسرائيل ولممارساتها الوحشية، بما فى ذلك استعمال التجويع سلاحًا لتركيع الغزاويين. لم يكتب حسام معروف من أجل شهرة وإنما كتب ليفهم واقعه الجديد، الذى سببه الإسرائيلى، ويأبى أن يتفهمه: «لم أكتب كى أؤلف كتابًا، ولا لكى أترك أثرًا فى أى مكتبة. لقد كتبت صدمتى، ليس أكثر. وقفت أمام نفسى، أزلت الغبار من داخلى، كى أفهم كيف يمكن أن أحيا مع واقعى الجديد وسط الدمار. كتبت لأن شيئًا ما انكسر بداخلى، وكان علىَّ أن أجمع شظاياه بالكلمات، قبل أن تتحول إلى رماد. لم تكن ثمة خطة، ولا مشروع، فقط محاولة للبقاء على قيد الحياة فى مواجهة فناء مطلق. كل ما حولى دُمر: الأصوات، الروائح، التفاصيل الصغيرة التى تمنح العالم سكينته. أنا المجنون الذى نجا من إبادة لم تشفق على أى حجر، على أى طائر، على أى فكرة. ورغم ذلك ها أنذا أكتب عن ذلك».
ينشغل المثقف الفلسطينى، رغم مأساته، بالحوار، ويعض عليه بالنواجذ، فيما ينشغل المثقف الإسرائيلى، بالطرف الآخر، باختلاق «بطولات» وهمية وبالترويج لها، وبشيطنة الفلسطينى وتشويه سمعته، عبر كتابة سردية نسجت من إفك وافتراء.
أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة