ليلة إرهاب وتخويف أم سمر ممتع؟

الثلاثاء 27 يناير 2026 - 6:40 م

 

تباطأ خلال شهر أو أكثر نشاطى فى القراءة وهدأت حركة الخروج والاختلاط وتراجعت معدلات الكتابة المنتظمة وانخفض منسوب الاستيعاب فى أعقاب موجات تشتت فى التفكير وصعوبات فى التركيز، وتسربت إلى داخل أوعية التدبير والتحليل عقبات من صنع عناصر وكيانات مجهولة. كانت آلام المعدة ومظاهر التقاعس وتراخى الساقين نماذج لتلك العقبات، وهذه بدورها انتقل شأنها إلى طبيب عام أوصانا بطبيب خاص أمر بفحوص قادته، ونحن معه، إلى نتائج ترتبت عليها قرارات وتحركات حاسمة.

فى ظهر اليوم التالى كنت أرقد على فراش من أحدث طراز معقد التركيب والتوظيف. تفننت التكنولوجيا الحديثة فى صنعه ورفع مستوى أدائه، لكنها لم تفلح فى إرضائى وتشجيعى كمستخدم لها ومستفيد منها شأنها شأن علاقاتى المتعددة مع تكنولوجيات أخرى تكالبت على محاولة كسب ودى ولم يفلح منها إلا القليل. أذكر عن إقامتى فى هذه الغرفة التى خصصت لى فى المشفى أنها اتسعت لهذا الفراش الغريب وقطعة أثاث أشبه ما تكون بفراش آخر لا يقل غرابة، فهمت أن إحدى الابنتين استخدمته أول ليلة دون علمى. يبدو مما سمعت لاحقًا أننى قضيت ليلتين فى هذه الغرفة خضعت خلالهما لفحوصات مكثفة، وفى الليلة الثالثة أو الرابعة نقلت إلى غرفة أخرى، حيث استخدم الطبيب المتخصص منظارًا طبيًا أرسله فى جوفى فى مهمة استطلاعية وللتعرف بالدقة الممكنة على موقع الخلل فى المعدة وما جاورها أو انبثق عنها من أمعاء دقيقة.

• • •

سمعت من الابنتين اللتين تناوبتا مرافقتى على طول هذه الرحلة أننى قضيت المدة بأكملها مستغرقا فى نوم عميق، نوم طبيعى وليس بمخدر أو ما شابه. سألتا من باب انشغال البال والقلق فتلقيا إجابة صريحة بأن أغلب مستخدمى هذا النوع من العلاج يقضون معظم الوقت فى نوم عميق. لم أقتنع بصحة هذه الإجابة وما زلت غير مقتنع. حججى فى الشك كثيرة. إحداها أننى سبق أن أقدمت أكثر من مرة على امتداد حياتى على إجراء عمليات جراحية، بعضها جد خطير، مثل العملية التى أجريت لى فى مشفى ملحق بدير للراهبات فى إحدى ضواحى مدينة روما. وقتها تلقيت بالرضا والشجاعة تشخيص طبيبين من أشهر أطباء أوروبا، وفى الحالتين أوصى الطبيبان بضرورة إجراء عملية جراحية لإزالة الثلث المريض من المعدة. لحسن الحظ اكتشف الجراح سلامة المعدة خلال ملامسته لها فقرر عدم الاستمرار فى إجراء العملية.

مرة أخرى وبعد مرور ما يقرب من ثلاثين عامًا تقبلت بالرضا نفسه تشخيص طبيب شاب لانزلاق غضروف فى السلسلة الفقرية، وبالفعل أجريت العملية فى غرفة غير كاملة التجهيز وغير ملحقة بمستشفى كبير واستمرت الآلام بعدها لعشرين سنة أخرى حتى أوصى طبيب مكسيكى فى مستشفى أمريكى بأن أتناول على طول حياتى أقراصًا مهدئة لآلام الأعصاب المصابة، وبالفعل ما زلت أتناول هذا الدواء، قرص فى الصباح وقرص قبل النوم.

أعود إلى سيرة الليالى التى قضيتها فى المشفى القاهرى استعدادا لعملية منظار يستطلع ويقرر ما فى داخل المعدة وتوابعها. تؤكد الرفيقتان، كما ذكرت آنفا، أننى قضيت كل الأيام بلياليها أغط فى نوم عميق. من ناحيتى أعرف أن ليلة من الليالى قضيتها يقظا، وإن مرتعبا، أو عشتها فى كابوس مؤلم ومخيف هذا إن صح أننى بالفعل كنت نائما. رأيت فى نومى أو فى يقظتى إن كنت بالفعل مستيقظا وفى كامل الوعي، رأيت شبانًا، رجالا ونساء، يرتدين زى التمريض. يأتى الواحد منهم أو منهن، ويوقظنى ليسألنى عن خبرتى مع سكان عالم الجن وخبرتى مع أعضاء جمعيات وجماعات تنشر مبادئ عقيدة للهالكين حتمًا والضائعين فى الحياة والمستسلمين للقدر. يطلبون منى التدخل عند أهل الشر والجن دفاعًا عنهم أو عنهن. سمعت فى نومى من يهددنى بشر وخيم فى حال تجاهلت وجهة نظره ورأيت من يعود فى نهاية الليل، ليكرر دعوته للسير فى طريقه وليس فى طريق الآخرين.

تقسم ابنتى أنها لم تغب عن الغرفة لحظة واحدة خلال الليل وأنها لم تلحظ أننى أنام نومًا قلقًا أو أننى أعيش فى حلمى كابوسًا كما شرحت. لم أقتنع، فما وقع معى بالليل لا بد أنه حقيقى، وأننى لم أكن غائبًا فى النوم أو فى القلق، أو أننى كنت أعيش كابوسًا محكم التفاصيل، ويعكس حالة عصبية ناتجة عن نقص شديد فى الحديد والمناعة، كما كشف التحليل الذى أجرى صباح ذلك اليوم. المثير أو الغريب فى الأمر هو أننى وبعد مرور أكثر من عشرين يومًا على وقوعه يظل الحلم بكل دقائقه وتفاصيله يعيد نفسه كروايات الرعب التى قرأناها ونحن صغار.

• • •

اتصل بى قبل يومين صديق عمل طويلًا فى قطاع الطب وما زال يحتفظ بعلاقات قوية مع كثيرين من العاملين فى هذا القطاع فى المشفى الذى عولجت فيه سواء بين كبار الأطباء أو المتدربين. هنأنى بنجاح عملية منظار المعدة وامتدح طويلًا الطاقم الذى باشرها من البداية وحتى النهاية. وفى نهاية المكالمة عبر عن سعادته بما ذكره بعض تلاميذه الذين تصادف وكانوا ضمن الأطباء المكلفين بالسهر تلك الليلة فى هذا الجناح من المستشفى فى الليلة التى قضيتها إما تحت كابوس رهيب أو يقظ مستمتع بسهرة سمر، ذكروا أنهم قضوا ليلة ممتعة فى نقاشات جرت طول الليل بينهم وبين مريض على درجة عالية من الثقافة والعلم. وبالسؤال عرف أننى كنت هذا المريض المكلفين برعايته فى تلك الليلة، ليلة الكابوس اللعين أو ليلة السمر الممتع.

• • •

لم أصرح لأحد، باستثناء قراء هذه السطور، أننى ما زلت واثقًا من أنها كانت ليلة تخويف وإرهاب، وأننى لا أذكر بالمرة أننى قضيتها أناقش أمورًا فى السياسة أو الثقافة.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة