نشرت جريدة القدس الفلسطينية مقالا للكاتبة أمانى القرم، تناقش فيه تحول «مجلس السلام» الذى أنشأه ترامب من مبادرة إقليمية إلى نواة لنظام عالمى جديد بديل للمنظمات الدولية التقليدية، وتتوقع القرم أن انضمام دول العالم لهذا المجلس ليس بالضرورة إيمانا به، بل من باب «البراجماتية» وكسب ود القوة الأمريكية المهيمنة لضمان مصالحها فى العقد المقبل.. نعرض من المقال ما يلى:
فى أول مقابلة له مع مجلة «ذا أتلانتك» الأمريكية واسعة النطاق أجاب ترامب عن سؤال حول عمّا إذا كانت ولايته الاولى تختلف عن الثانية فقال نصّا: «فى المرة الأولى كان على القيام بأمرين إدارة البلاد والبقاء.. وفى المرة الثانية جئت لأدير البلاد والعالم». لم يكن الرجل يتحدث من فراغ بل من موقع قوة.. قوة الزعيم الذى حقق فوزا ساحقا فى الانتخابات، لم يقتصر على الفوز الرئاسى بكرسى البيت الأبيض بل امتلاك للأغلبية فى مجلسى الشيوخ والنواب. بمعنى أنه حصد القوة الثلاثية التى هى بمثابة تفويض شعبى غير مسبوق وسيطرة على أركان الحكم فى المؤسسات التشريعية والتنفيذية الأمريكية. الأمر الذى منحه شبكة أمان متينة للشروع فى بناء إدارته الجديدة، وتنفيذ أجندته الخارجية دون قيود تذكر. ولشخصية الرجل المتقلبة وغير المنضبطة التى تعكس نمطا مغايرا لما يجب أن يكون عليه السياسى الأمريكى فلا يؤخذ كلامه على محمل الجدّ دوما. لكن خلال العام الحالى أثبت ترامب للجميع أن عليهم الاستماع جيدا لما يقول وقد يفعل! والحقيقة أنه لا يتوقف عن المفاجأة المرّة تلو الأخرى.
حاليا يتصاعد الجدل العالمى حول مجلس السلام الذى شكّله ترامب ومدى حدوده وصلاحياته وهل من الممكن أن يكون أمم متحدة جديدة أى بديلا عن النظام الدولى القائم؟
والإجابة ببساطة نعم. من المرجح جدا أن يكون هذا المجلس بداية تغيير ونواة لتشكيل نظام عالمى جديد بديلا عن الموجود منذ حوالى 70 عاما. ولا يخفى على أحد نظرة الرئيس ترامب إلى منظومة المؤسسات الدولية القائمة وما انسحابه المتكرر من عشرات المنظمات والاتفاقيات الدولية وإنزال العقوبات على مسئولى المحكمة الجنائية الدولية إلا وسيلة لضرب شرعية هذا النظام وقانونيته.
ولأن شرعية أى نظام دولى تعتمد على الدول التى تؤمن بأنّ المشاركة فيه يفيد مصالحها بشكل مباشر، فإن الطرح الترامبى ليس جديدا على العقول الأمريكية فى أروقة صنع القرار بل هو مثار دراسات وبحوث كثيرة منذ عقود لضمان المصالح والهيمنة الأمريكية العالمية.
فى العام 2016 صدرت دراسة عن مؤسسة «راند» للبحث حول سؤال محدد هو: ما مدى أهمية استمرار النظام الدولى بشكله ومؤسساته القائمة فى خدمة مصالح الولايات المتحدة؟ ولمن لا يعرف مؤسسة «راند» فهى إحدى المؤسسات الفكرية الممولة من الحكومة الأمريكية والمتخصّصة فى تقديم تحليلات لوزارة الدفاع والقوات المسلحة الأمريكية. الفرضية التى انطلقت منها الدراسة هو أن النظام الدولى المقام بعد الحرب العالمية الثانية كان هدفه تعزيز مصالح أمريكا، وضمان قيادتها لهذا النظام لضمان التزامه بمصالحها العالمية.
وبينما انتهت الدراسة بتوصية أن النظام الدولى لا يمكن أن يستمر بشكله الحالى، فإن السؤال الذى طرحته فى النهاية ما نوع النظام الذى يتعين على الولايات المتحدة السعى لإقراره العقد المقبل؟
بعد عشر سنوات يطرح ترامب الإجابة بطريقته الخاصة وينشئ مجلس سلام من الواضح أنه لن يقتصر عند حدود غزة بل يتجاوز الأمر ليتعامل مع الصراعات فى العالم .
بفعل الواقعية السياسية وهيمنة القوة على السلوك العالمى فإن الدول ستلحق الركب للانضمام إلى مجلس ترامب كوسيلة لتعزيز نفوذها ومصالحها على الساحة الدولية ولكسب ودّ «الأخ الأكبر»!!