يتصاعد النقاش - هذه الأيام - حول ما إذا كان الشرق الأوسط يقف على أعتاب ضربة عسكرية أمريكية – إسرائيلية واسعة ضد إيران، أم أننا أمام حلقة جديدة من حلقات الـ «الحرب النفسية» المعتادة فى المنطقة. القراءة المتأنية للتحركات العسكرية والسياسية الأخيرة تشير إلى أن المشهد أعمق من مجرد ضغط نفسى عابر؛ نحن أمام إعادة تموضع استراتيجى واسع، تتداخل فيه حسابات مصير النظام الإيرانى، ومستقبل الوجود العسكرى الأمريكى فى الشرق الأوسط، وشكل النظام الدولى نفسه فى مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية المطلقة.
أول ما يلفت الانتباه هو ما يمكن وصفه «انسحابًا مدروسًا» من القواعد الأمريكية التقليدية فى الخليج والعراق. لم تعد الأحاديث عن تقليص الوجود فى هذه القواعد مجرد شائعات، بل باتت جزءا من نمط واضح لإعادة الانتشار. ويكتمل هذا المسار بإعلان تسليم قاعدة عين الأسد فى العراق للجيش العراقى، بعد عقدين من كونها حجر الزاوية فى الحضور العسكرى الأمريكى. خطوة من هذا النوع ما كانت لتُتخذ لو لم تكن واشنطن بصدد كتابة فصل جديد فى علاقاتها العسكرية بالمنطقة.
ظاهريًا يبدو المشهد متناقضًا، فكيف تستعد الولايات المتحدة لمواجهة محتملة مع إيران بينما تُبعد قواتها عن أقرب نقاط الاحتكاك؟ القراءة الأعمق تكشف منطقا مختلفا. تقليص الجنود فى قواعد ثابتة داخل مدى الصواريخ الإيرانية لا يعنى تراجعا عن خيار القوة، بل محاولة لتقليل كلفة الرد الإيرانى المحتمل. فى المقابل، يجرى الاعتماد على أصول بعيدة المدى مثل: حاملات طائرات، وقاذفات استراتيجية، ومنصات بحرية قادرة على توجيه ضربات «من الخارج» دون ترك أهداف بشرية وعسكرية سهلة حول إيران.
• • •
فى الخلفية، تقف انتفاضة ديسمبر– يناير فى الداخل الإيرانى كعامل حاسم، وسط حديث عن آلاف القتلى وأضعافهم من المعتقلين، وعن تعتيم رقمى واسع جعل معركة الإنترنت جزءًا من معركة السياسة. طهران لجأت إلى سردية «المؤامرة الخارجية» لتبرير القمع، بينما حاولت واشنطن تعويض غياب الأدوات الميدانية بالضغط الإلكترونى والدعم التكنولوجى، بما فى ذلك محاولات توفير اتصال عبر الأقمار الصناعية لشركة «ستارلينك» لإدارة الاتصالات مع العملاء بعد طلب مباشر من ترامب إلى إيلون ماسك؛ غير أن التشويش الإيرانى، المدعوم بخبرات روسية وصينية، كشف حدود هذه الأدوات فى غياب وجود فعلى على الأرض.
هذا الفشل النسبى انعكس أيضا على الداخل الأمريكى. فهناك قطاعات سياسية وإعلامية ترى أن واشنطن شجعت المحتجين بخطاب مرتفع السقف «انزلوا إلى الشارع، سيطروا على المؤسسات، سجّلوا أسماء القتلة، المساعدة فى الطريق» ثم عجزت عن توفير دعم حقيقى، ما خلق شعورًا «بالتخلى». ومن ثم زادت القناعة لدى بعض النخب الأمريكية بأن استعادة المصداقية تتطلب تصعيدًا مباشرًا مع طهران. وهذا ما يفسر جزئيا التحول فى مواقف بعض أركان معسكر «أمريكا أولا» الذين كانوا يتحفظون على التورط الخارجى، والذى يميل بعضهم الآن مثل جيه دى فانس، نائب الرئيس الأمريكى، إلى تأييد ضربة ضد إيران.
ميدانيا، تُترجم هذه القناعة إلى تحركات فعلية، إذ حاملة الطائرات أبراهام لينكولن فى طريقها إلى بحر العرب، وقاذفات B 52 تهبط فى قواعد بريطانية لتكون على مسافة تمكنها من شن هجمات فى الشرق الأوسط، كما تتدفّق أصول بحرية وجوية أخرى بوتيرة تسمح بتوسيع العمليات دون الاعتماد على قواعد الخليج. بالتوازى، تعلن إسرائيل عن تسلّم دفعات جديدة من طائرات F 35، وتطوير أنظمتها الدفاعية، بما فيها تقنيات الليزر استعدادًا لاحتمال تبادل الضربات مع إيران وما تبقى من أذرعها.
لكن حدود القوة الجوية تظل حاضرة بقوة فى الحسابات الأمريكية. فالتجربة التاريخية، من يوغوسلافيا إلى العراق، تُظهر أن القصف وحده نادرا ما يُسقط أنظمة متماسكة. إيران ليست يوغوسلافيا 1999؛ بل هى دولة قارية كبيرة، ذات عمق جغرافى وبشرى، وتماسك مؤسسى نسبى. من هنا يبرز رهان أمريكى غير معلن على إحداث شرخ داخل بنية النظام، عبر إضعاف الحرس الثورى والباسيج، مع ترك نافذة محتملة أمام الجيش. غير أن هذا الرهان يصطدم بحقيقة أن الجيش الإيرانى جرى تحييده سياسيًا منذ عقود، فهل بوسعه القيام بدور انقلابى حاسم؟
الأخطر فى كل ذلك هو البعد النووى. إن القلق الأمريكى لا يتركز فقط على الوصول إلى تخصيب بنسبة 90%، بل على «ضبابية الردع». فامتلاك إيران كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يفتح الباب نظريا أمام سيناريو تفجير نووى بدائى، حتى لو لم يكن قابلا للاستخدام العسكرى التقليدى. مجرد الغموض حول هذه القدرة قد يكون كافيًا لشل قرار التصعيد وفرض معادلة ردع غير مستقرة. وتتعاظم المخاوف فى حال انهيار الدولة المركزية، إذ يصبح مصير المواد النووية نفسها موضع سؤال: من يسيطر عليها؟ وأين يمكن أن تنتهى؟ هنا لا تعد المخاطر إيرانية فحسب، بل إقليمية ودولية.
• • •
فى هذا السياق الأوسع، لا يمكن فصل ما يجرى حول إيران عن صراع القوى الكبرى. فإضعاف طهران أو إسقاط نظامها لا يقتصر على تغيير موازين الشرق الأوسط فقط، بل ضربة مباشرة للنفوذ الروسى والصينى، لاسيما وأنها «عقدة» مهمة فى شبكات التفافهما على العقوبات الأمريكية، التى تشمل الأنظمة المصرفية البديلة للآليات الأوروبية التى توقفت مثل «إنستكس»، وموردًا نفطيًا تفضيليًا للصين. لكن موسكو وبكين، فى الوقت نفسه، لا تبدوان مستعدتين لمواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن دفاعا عن إيران، فى لحظة تتعدد فيها جبهات التوتر من أوكرانيا إلى تايوان.
أما إقليميًا، فتسعى دول رئيسة إلى تجنب المواجهة. بعض دول الخليج تبدى حساسية واضحة من أى ضربة تُشن من أراضيها، خشية الرد الإيرانى وانفلات أسواق الطاقة. كما أن مصر، من موقعها المحورى، تتحرك دبلوماسيا للحفاظ على قنوات التواصل بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، لإبقاء باب التسويات مفتوحا، بما يسمح للأوروبيين بعدم غلق كل منافذ الاقتصاد الإيرانى ثم يجدون أنفسهم فى مواجهة دولة منهارة على حدودهم الشرقية.
وسط هذه الحسابات الثقيلة، تظل إيران فى قلب العاصفة، بين نظام نجح فى النجاة من انتفاضة داخلية، وبين خصوم خارجيين يرون أن «الفرصة الذهبية» أُهدرت وأن تعويضها يتطلب ضربة أقسى وأوسع. فى هذا السياق يأتى الحديث عن استهداف المرشد أو «قطع رأس النظام» كحل يهدم مركز القيادة. لذلك ما يجرى حول إيران ليس مجرد "خبر عاجل" آخر فى شريط طويل من الأزمات، إنما محاولة لإعادة تشكيل أوسع للشرق الأوسط. الحكمة هنا لا تكمن فى الرهان على انهيار إيران كحل سحرى، بل فى إدراك أن إيران المنهكة قد تكون خطرا، لكن إيران المنفلتة أخطر بكثير. ففى عالم يتآكل فيه النظام الدولى القائم على القواعد، تصبح إدارة المخاطر، لا الانتصارات السريعة، هى التحدى الحقيقى أمام دول المنطقة.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية