إزاء تكالب الكبار على النفوذ والثروة.. كيف يمكن للقوى الوسيطة استعادة استقرار العلاقات الدولية؟

الجمعة 23 يناير 2026 - 6:30 م

يشهد النظام الدولى فى السنوات الأخيرة تآكلًا متسارعًا فى القواعد التى حكمت إدارة العلاقات بين الدول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتسارعت عملية التآكل هذه على نحو غير مسبوق بعد نهاية الحرب الباردة. لم يعد الخطر العالمى الأساسى كامنًا فقط فى اندلاع صراعات مسلحة كبرى، بل فى انهيار الإطار القيمى والمؤسسى الذى كان يضبط التنافس بين القوى، ويحدّ من انزلاقه إلى صدام مفتوح أو إلى إعادة إنتاج منطق مناطق النفوذ دون اكتراث بمصالح الدول الأصغر وحقوق شعوبها. إن العالم يقف اليوم أمام لحظة مفصلية، تتراجع فيها قدرة القانون الدولى والمؤسسات متعددة الأطراف على تنظيم السلوك الدولى، وتتقدم فيها سياسات القوة العارية، والمقاربات الصفرية، وإعادة تعريف السيادة بوصفها حقًا مطلقًا لا يقيّده التزام أو مساءلة.
هذا الانهيار لا يحدث دفعة واحدة، ولا نتيجة قرار أحادى، بل هو نتاج تراكم طويل من الممارسات الانتقائية، حيث لجأت القوى الكبرى، وفى مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا والصين، إلى توظيف القواعد الدولية عندما تخدم مصالحها، وتجاوزها أو تعطيلها عندما تصبح عبئًا. وقد أفضى ذلك إلى إضعاف مصداقية المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، وإلى تعميم شعور عالمى بأن النظام القائم لم يعد يوفر الحماية أو العدالة، لا للدول الصغيرة ولا حتى للفاعلين الوسطيين. وفى هذا السياق، تتكاثر النزاعات المسلحة، وتتسع رقعتها الجغرافية، وتتشابك مع أزمات الطاقة والغذاء والمناخ، فى عالم لم يعد يمتلك آليات فعّالة لاحتواء الأزمات أو تسويتها.
إن أخطر ما فى هذا المشهد هو أن التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين وروسيا لم يعد محكومًا بقواعد واضحة أو خطوط حمراء مستقرة. فالصراع لم يعد يدور فقط حول نماذج الحكم أو النفوذ السياسى، بل بات مرتبطًا مباشرة بالسيطرة على الموارد الاستراتيجية، وسلاسل الإمداد العالمية، والتكنولوجيا المتقدمة، والممرات البحرية الحيوية. وفى ظل غياب توافق دولى على إدارة هذا التنافس، تتحول مناطق واسعة من العالم، من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، ومن إفريقيا إلى المحيطين الهندى والهادئ، إلى ساحات اختبار لإرادات القوى الكبرى، يدفع ثمنها الفاعلون الأضعف.
• • •
فى هذا السياق المضطرب، تبرز أهمية ما يمكن تسميته بالقوى الوسيطة العالمية، وهى دول لا تمتلك طموحات الهيمنة الشاملة، لكنها تملك من القدرات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية ما يؤهلها للعب دور كابح للفوضى، أو على الأقل دورًا موازنًا يحدّ من اندفاع القوى الكبرى نحو الصدام. وتشمل هذه القوى دولًا أوروبية رئيسية، وكندا، والبرازيل، والهند، إضافة إلى قوى وسيطة فى الشرق الأوسط تسعى، بدرجات متفاوتة، إلى انتهاج سياسات خارجية أكثر استقلالًا وتوازنًا.
الدول الأوروبية، على الرغم من انقسامها وترددها، ما زالت تمتلك رصيدًا مهمًا فى الدفاع عن التعددية، واحترام القانون الدولى، وتسوية النزاعات بالوسائل الدبلوماسية. غير أن هذا الدور يظل مشروطًا بقدرتها على بلورة سياسة خارجية أكثر استقلالًا عن الاستقطاب الأمريكى-الصينى، وعلى تجاوز الارتهان الأمنى الكامل للولايات المتحدة. فاستعادة أوروبا لدور فاعل لا تعنى القطيعة مع واشنطن، بل تعنى امتلاك هامش قرار يسمح لها بلعب دور الوسيط، لا الطرف المنخرط كليًا فى منطق المواجهة. وهو دور تصبح الحاجة إليه أكثر إلحاحًا كلما طال أمد الحرب فى أوكرانيا، وكلما تعقدت تداعياتها العالمية.
أما كندا، فهى تمثل نموذجًا مختلفًا للقوة الوسيطة، يقوم على الدبلوماسية الهادئة، وبناء التحالفات متعددة الأطراف، والدفاع المبدئى عن حقوق الإنسان دون الانزلاق إلى سياسات التدخل القسرى. ورغم محدودية وزنها العسكرى، فإن قدرتها على الجمع بين الالتزام بالقيم الغربية والانفتاح على الجنوب العالمى تمنحها هامشًا معقولًا للمساهمة فى إعادة بناء الثقة بين الشمال والجنوب، وهى ثقة تآكلت بشدة فى السنوات الأخيرة. وقد دللت كلمة رئيس الوزراء الكندى مارك كارنى قبل أيام، أمام منتدى دافوس العالمى، على رسوخ هذا التوجه الكندى.
فى الجنوب العالمى، تلعب البرازيل والهند أدوارًا لا تقل أهمية. فالبرازيل، فى ظل توجهات تسعى إلى إعادة الاعتبار للدبلوماسية النشطة، يمكنها أن تكون صوتًا عقلانيًا يدافع عن إصلاح النظام الدولى، لا هدمه، وعن إدماج قوى الجنوب فى عملية صنع القرار العالمى. أما الهند، فهى حالة أكثر تعقيدًا، إذ تجمع بين شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وعلاقات تاريخية مع روسيا، وطموحات متزايدة فى آسيا والعالم. وإذا ما أحسنت نيودلهى إدارة هذا التوازن الدقيق، فإنها قد تسهم فى تخفيف حدة الاستقطاب الدولى، لا فى تعميقه.
ولا يمكن تجاهل الدور المحتمل للقوى الوسيطة فى الشرق الأوسط، وهى منطقة طالما كانت مسرحًا لتصارع القوى الكبرى. بعض دول الإقليم باتت تدرك أن الارتهان الكامل لمحاور دولية متصارعة يزيد من هشاشتها، ولا يوفر لها أمنًا مستدامًا. ومن ثم، نشهد محاولات، لا تزال فى بداياتها، لبناء سياسات خارجية أكثر تنوعًا، والانخراط فى وساطات إقليمية، والسعى إلى خفض التوتر بدلًا من تصديره. وإذا ما ترافقت هذه التوجهات مع إصلاحات داخلية تعزز الاستقرار والشرعية، فإنها قد تسهم فى تقليص قابلية الإقليم للتحول إلى ساحة صراع بالوكالة.
غير أن التعويل على القوى الوسيطة ينبغى ألا يكون رومانسيًا أو مبالغًا فيه. فهذه القوى تعانى بدورها من قيود داخلية وضغوط خارجية، وقد تنزلق، فى لحظات معينة، إلى سياسات انتهازية أو اصطفافات حادة. لكن البديل عن تفعيل دورها هو عالم تحكمه ثنائية أو ثلاثية صراعية، لا تعترف إلا بمنطق الغلبة، ولا ترى فى القواعد إلا أدوات ظرفية.
• • •
إن الحفاظ على شىء من الاستقرار فى عالم يتجه نحو مزيد من الفوضى لا يتطلب فقط منع الحرب بين القوى الكبرى، بل يتطلب أيضًا إعادة الاعتبار لفكرة أن إدارة العلاقات الدولية يجب أن تقوم على قواعد مشتركة، حتى فى ظل التنافس. وهنا، يصبح دور القوى الوسيطة محوريًا، ليس بوصفها بديلًا عن القوى الكبرى، بل بوصفها جسرًا بين المصالح المتعارضة، وصوتًا يذكّر بأن كلفة الانهيار الشامل لن تكون مقبولة لأحد.
فى النهاية، يظل السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان العالم قادرًا على تجنب لحظة الانفجار الكبير، أو ما إذا كان يسير، بخطى ثابتة، نحو نظام دولى أكثر قسوة وأقل إنسانية. الإجابة لن تأتى فقط من واشنطن أو بكين أو موسكو، بل أيضًا من قدرة القوى الوسيطة على تحويل التعددية من شعار إلى ممارسة، ومن الدفاع عن الاستقرار بوصفه مصلحة جماعية، لا امتيازًا حصريًا للأقوياء.

أستاذ مشارك العلاقات الدولية والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة