x قد يعجبك أيضا

فوق جهل الجاهلينا بمسافة كبيرة

الجمعة 23 يناير 2026 - 6:30 م

بالتجربة فهمتُ من زمان أن المشروبات المثلجة تؤذينى وتسبب لى احتقانًا فى الحلق فامتنعت عنها وأصبحت أشرب الماء والمشروبات الأخرى قبل دخولها الثلاجة. لكن كثيرا ما يحدث أن أكون بأحد المطاعم وأطلب مشروبًا غازيًا مع الأكل فيأتى إلىّ الجرسون بكوب كبير ملىء بالثلج وقد صب فوقه المشروب. عندئذ أتجاوز إحباطى وأضطر إلى تنبيهه أننى لا أريد ثلجًا. فى العادة يستغرب الجرسون ثم يبتلع دهشته سريعًا ويذهب لإحضار مشروب اَخر دون مشاكل. لكن هذه المرة لم يبتلع الأخ دهشته، بل رمقنى فى غضب وقال متأففًا: ولماذا لم تطلب «بيبسى» بدون ثلج منذ البداية؟ صدمنى رده فقلت: وهل علب البيبسى تأتى إليكم ومعها ثلجها أم أنكم أنتم الذين تضيفون إليها الثلج؟ همّ بالانصراف ومعه سحنته الغاضبة لكنى استوقفتهما وكلى إصرار أن أحصل على إجابة شافية عن سؤالى، وكان تهديدى له صريحًا بأنه إذا تركنى وانصرف دون أن يرد على سؤالى فسوف أشكوه لإدارة المطعم ولن أهدأ حتى أتسبب فى مجازاته. فوجئ بتصلبى فبدأ يفرد سحنته المنكمشة وقد خشى أن أكون أكثر منه غباوة وأن أجهل عليه كما قال عمرو بن كلثوم فى معلقته الشهيرة: ألا لا يجهلن أحد علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلينا. قال الجرسون وهو يتصنع لطفًا غير أصيل فى طبعه: إن البيبسى لا يأتى ومعه الثلج، لكننا نضيفه قبل تقديمه للزبون. قلت له: حلو.. هذا يدخلنا إلى قضية أصل الأشياء، الأصل فى المشروبات كلها أنها بدون ثلج ثم يوضع الثلج لمن يريده، فهل هناك مشكلة فى أن تسألنى عما إذا كنت أريد ثلجًا أم لا؟ هل هناك مشكلة فى أن تأتى به بدون ثلج وتترك لى أن أطلب الثلج إذا أردت؟.. قلت هذا ثم زدت بسؤال آخر: وهل يتم إهدار المشروب إذا أحضرته بدون ثلج ثم أحضرت الثلج لاحقا لزبون يريده، أم يتم إهداره إذا وضعت الثلج لزبون لا يريده؟ أريد إجابة لو سمحت. قال: معك حق لكننا اعتدنا أن الزبائن تتقبله بالثلج ولم يصادفنا من يتذمر أو يعترض مثل سيادتك. قلت له: إننى لم أتذمر.. لقد كنتُ فى غاية الخجل وأنا أطلب منك فى صوت خفيض أن تأتينى بكوب آخر خال من الثلج، لكنك لم تترفق بى ولم تكن كريما فتخفض لى جناحيك، بل رفعتهما لأعلى ورفرفت بهما فوق رأسى وواجهتنى بحقيقة أننى كائن عجيب ينتمى لفصيلة منقرضة من البشر يتناول أفرادها المشروبات عكس الناس كلها بدون ثلج!
طبعا باستطاعتى دائمًا أن أطلب المشروب بدون ثلج منذ البداية وأتجنب وجع الدماغ، لكنى أعاند نفسى كل مرة وأدخل معها فى رهان بأننى قد أصادف فى هذه الدنيا أناسًا ينحازون للمنطق البسيط الذى يميزالإنسان عن سواه.. وفى كل مرة أخسر الرهان!
بعد أن انصرف الجرسون سرحتُ فى تأملاتى متسائلًا إذا كان يجب أن أنتظر الإنصاف والهدوء النفسى فى حياة أخرى ألاقى فيها أناسا منطقيين لا يدهشهم الكلام بالعقل؟ سيقول قائل: أتترك كل القضايا المهمة فى هذا العالم المنكوب الملىء بالمظالم والكوارث ولا يدهشك سوى هذا الموضوع التافه؟ ولهذا السائل أقول: أستطيع أن أفهم الكوارث الطبيعية وتلك التى يلحقها البشر ببعضهم البعض، وأستطيع أن أعرف دوافع الظلمة والطغاة، لكنى لا أستطيع أن أفهم سر تجبر إنسان غلبان لا هو صاحب سلطة ولا طاغية مثل بائع الكشرى الذى جاور دكانه مدرستى الثانوية، وكانت بينى وبينه موقعة لا أنساها أبدا رغم مرور سنوات طويلة، وقد قفزت إلى ذهنى الاَن. دخلت المحل الصغير الذى يعمل به الرجل وحده دون مساعدين وطلبت واحد كشرى فأحضره لى بعد أن ملأه بالشطة دون أن يسألنى!. وعلى الرغم من عدم رفضى الشطة بل تفضيلى لها مع كل طعام، فإن تصرفه كان عكس المألوف فسألته ضاحكا بنيّة سليمة: مَن الذى أخبرك أننى أريد الكشرى بشطة؟ ولا أستطيع أن أنسى نظرته المخيفة ولا صوته وهو يضرب كفًا بكف من هذا الزبون المزعج وهو يقول: نعم يا خويا، مَن الذى أخبرنى أنك تريد شطة؟ أنا كده.. مزاجى كده، اللى عاجبه ياكل واللى مش عاجبه يغور فى ستين داهية! للحظات ألجمتنى سفالته وغياب أى ذوق أو أدب أو منطق فى كلامه، لكنى استعدت نفسى سريعًا وقلت له وعينىّ فى عينيه: عارف.. كل غباوة سحنتك والعفاريت المدهونة زفت التى أراها مرتسمة على وجهك لن تنسينى سؤالى: من أخبرك أننى أريد شطة؟! وهنا خرجت من فمه الإجابة الغبية التالية: ليه ما قلتش من الأول إنك مش عاوز شطة؟ قلت له منفجرا: الشطة يجب أن تكون اختيارية يا بنى اَدم، ووضعك لزجاجة منها على كل مائدة جعلنى أتصور أنك تفهم هذا. سحب الرجل الطبق وهو يرغى ويزبد وينفخ نارا فى الهواء ثم أحضر لى واحدا آخر خاليا من الشطة وضعه أمامى. ويمكننى الآن أن أستحضر حالة الذهول التى بدا عليها وهو يحملق فىّ فاغرا فاه كالأهطل وأنا أتناول زجاجة الشطة وأغرق بها الطبق ثم أبدأ فى تناوله فى تلذذ وانسجام.. كما لا أنسى أن هذا الهطل سرعان ما استحال إلى غضبٍ عارم، وكيف أنسى وغرزتان فى الرأس ما زالت آثارهما باقية وما زلت أتحسسهما كلما صادفت إنسانًا غبياً وقادرًا على أن يجهل فوق جهل الجاهلينا!

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة