مجلس السلام.. والحذر المطلوب!

الجمعة 23 يناير 2026 - 6:15 م

يستغرب البعض موافقة دول عربية وإسلامية، من بينها مصر، على المشاركة فى مجلس السلام الذى دشنه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، رغم إثارته لكثير من القلق والشكوك والهواجس المتعلقة بكونه محاولة واضحة لهدم النظام الدولى القائم، وبناء نظام جديد يخضع لمعايير ترامب ومزاجه المتقلب.
تعود فكرة مجلس السلام إلى خطة ترامب لإنهاء الحرب على قطاع غزة التى أعلنها فى شهر سبتمبر من العام الماضى، بهدف الإشراف على إعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية فى القطاع، لكن ميثاق هذا المجلس الذى خرج إلى العلن، لا يحصر دوره فى غزة فقط، بل يمتد إلى حل النزاعات حول العالم.
يقول ميثاق مجلس السلام إن «المجلس منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم فى المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها»، مشيرا إلى أن «السلام الدائم يتطلب حكمة عملية وحلولا منطقية، وشجاعة للتخلى عن النهج والمؤسسات التى فشلت مرارا وتكرارا».
تأكيد ميثاق مجلس السلام على ضرورة «التخلى» عن «النهج والمؤسسات التى فشلت مرارا»، يبدو موجها بشكل صريح وواضح إلى الأمم المتحدة والنظام الدولى القائم، وهو ما يثير الكثير من المخاوف بشأن خلق حالة من الإرباك والفوضى على المستوى العالمى.
هذا التخوف دفع وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، إلى التأكيد على أن بلادها لن توقع على الانضمام لمجلس السلام، مشيرة إلى أن المجلس يشكل «معاهدة قانونية تثير قضايا أوسع بكثير من نطاقه الأولى المتمثل فى إنهاء الحرب فى غزة». 
إذا كانت بريطانيا أقرب حلفاء الولايات المتحدة، وشريكتها الدائمة فى حروبها وتوجهاتها السياسية والاقتصادية، تنتابها الشكوك من المقترح الأمريكى وتخشى من تداعياته المستقبلية، شأنها فى ذلك شأن الكثير من الدول الأوروبية.. فلماذا سارعت مصر ودول عربية وإسلامية إلى الموافقة على الانضمام لمجلس السلام؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، ينبغى التوقف عند البيان الصادر عن وزارة الخارجية المصرية، والذى أعلنت فيه القاهرة عن قبولها الدعوة للانضمام للمجلس، لأنه يلخص بشكل واضح الأسباب التى دفعتها إلى المشاركة وكذلك الأهداف التى تبتغى تحقيقها من وراء هذا المجلس.
يقول بيان وزارة الخارجية إن «مصر أعلنت دعمها لمهمة مجلس السلام فى إطار المرحلة الثانية من الخطة الشاملة لإنهاء النزاع فى غزة، ووفقا لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم ۲۸۰۳ »، وأكدت على «استمرار جهودها بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية والشركاء لضمان تثبيت وقف إطلاق النار، ونفاذ المساعدات الإنسانية والإغاثية دون قيود، ونشر قوة الاستقرار الدولية، وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة من الاضطلاع بمهامها، والبدء فى مشروعات التعافى المبكر فى جميع أنحاء القطاع تمهيدا لإعادة الإعمار، والدفع نحو مسار لتحقيق السلام العادل والدائم وتلبية حق الشعب الفلسطينى فى تقرير المصير وإقامة الدولة، بما يمهد لتحقيق الأمن والاستقرار لجميع دول وشعوب المنطقة».
يتضح من هذا البيان دوافع الموافقة المصرية على المشاركة فى مجلس السلام، والتى يأتى فى مقدمتها تثبيت وقف الحرب والعدوان على قطاع غزة، وبدء عملية إعادة الإعمار بهدف إجهاض المخطط الصهيونى لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء حتى لا يتم تصفية قضيتهم من جذورها.
تدرك القاهرة جيدا أن الولايات المتحدة هى الجهة الوحيدة القادرة على «لجم» رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، ومن ثم لا يمكن لها تضييع الفرصة المتاحة حاليا لتثبيت وقف الحرب المدمرة على قطاع غزة وإعادة إعماره مجددا، باتخاذ مواقف حادة مثل رفض المشاركة فى مجلس السلام.. فالسياسة هى فن الممكن، الذى تستطيع الوصول إليه وليس الرهان على المستحيل الذى يصعب تحقيقه.
لكن فى المقابل، ينبغى على مصر أن تكون حذرة تماما فى التعامل مع أى أطروحات تستهدف الانقضاض على خصائص ودعائم وقواعد ومقومات النظام الدولى القائم، بل يجب عليها السعى إلى الحفاظ عليه، والعمل مع مختلف الأطراف الدولية الراغبة فى إصلاح ومعالجة الاختلالات والعيوب التى أصابته، وجعلته عاجزا عن القيام بدوره فى تحقيق الأمن والسلم الدوليين، حتى لا يتمكن ترامب من هدم قواعده وبناء نظام جديد يخضع لتقلباته ونزواته ومصالحه من دون الالتفات لمصالح الآخرين.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة