x قد يعجبك أيضا

الجامعات الناجحة.. يجب أن تفشل

الجمعة 23 يناير 2026 - 6:25 م

هل يمكن عمل بحث علمى بدون إمكانيات؟
هل أى بحث علمى مضمون النجاح؟
هل يجب أن نهتم بتصنيف جامعاتنا؟


كلمة الفشل محرّمة فى بلادنا، ومن يُوصم بها يواجه فقدان مصداقيته، بل ومركزه الاجتماعى. ويحاول كل شخص واجه الفشل، سواء فى بحثه العلمى أو فى شركته الناشئة أو ما دون ذلك أو أعلى، أن يُخفى كل أثر لذلك الفشل. هذا مرض يجب أن نعالجه، لأن تأثيره مدمّر، وأقصد بالمرض الخوفَ والشعورَ بالخجل من الفشل. أُسميه مرضًا لأنه قد يدفع الشخص إلى الكذب لإخفاء الفشل، أو إلى الغش للوصول إلى نجاح غير مستحق، أو إلى التقوقع وعدم القيام بأى خطوة خوفًا من الفشل.
وحيث إن أهم موارد الدول هم شبابها، وأن هؤلاء الشباب هم نتاج التعليم الجامعى، فعلينا أن ننظر بدقة إلى التعليم الجامعى وتحدياته. لكن ما العلاقة بين الحديث عن الفشل والحديث عن الجامعات؟ الجامعات تقوم بالبحث العلمى، والبحث العلمى قد ينجح وقد يفشل أو لا ينجح بالدرجة المتوقعة، لأنه إذا كان البحث العلمى مضمون النجاح فهو ليس بحثًا. والجامعات أيضًا تهتم أكثر من اللازم بتصنيف الجامعات، وتعتبر أن الحصول على تصنيف متأخر يُعد فشلًا. وأدعو القارئ الكريم إلى مراجعة مقال لكاتب هذه السطور بتاريخ 18 إبريل 2025 بعنوان: «هل تصنيف الجامعات هم حقًا؟».
قد يقول قائل إن البحث العلمى يحتاج إمكانيات كبيرة وتمويلًا كبيرًا، وأغلب الدول لا تملك ما يكفى لتمويل البحث العلمى. هذه الجملة صحيحة، لكنها تغفل شيئًا مهمًا متمثلًا فى هذا السؤال: هل يمكن عمل بحث علمى ناجح بدون إمكانيات؟
• • •

 


من تاريخ العلوم: بحث بدون إمكانيات
تاريخ العلوم ملىء بأبحاث علمية قامت بموارد قليلة جدًا.
الراهب النمساوى جريجور مندل، وهو من رواد اكتشاف قوانين الوراثة، قام بتجاربه على النباتات فى حديقة الدير. لم يستخدم معامل كبيرة أو أجهزة باهظة الثمن، فقط نباتات البازلاء وفرشاة طلاء لنقل حبوب اللقاح.
الروسى إيلى متشنكوف حصل على جائزة نوبل فى الطب سنة 1908 نتيجة اكتشافه لطريقة عمل الجهاز المناعى فى الجسم عن طريق الخلايا البيضاء. كل ما استخدمه للوصول إلى اكتشافه هو ميكروسكوب بسيط وبعض أشواك الورد، حيث كان يضع شوكة فى اليرقات ويراقب تحت الميكروسكوب كيف سيتصرف الجسم لمحاربة هذا الجسم الغريب.
الإنجليزى العبقرى إسحاق نيوتن اكتشف طبيعة الضوء والألوان عن طريق منشورين زجاجيين وفتحة صغيرة فى النافذة.
حاول العلماء فك شفرة تركيب إنزيم معين مسئول عن انتشار الإيدز، ولعدة سنوات ظل هذا السؤال البحثى بلا جواب، حتى تفتّق ذهن الباحثين فى جامعة واشنطن عن فكرة عبقرية. هذه الفكرة هى تحويل تلك المشكلة البحثية إلى لعبة على الإنترنت تُسمى (FoldIT)، ولعبها آلاف من اللاعبين، أكثرهم معلوماتهم شبه معدومة فى هذا التخصص، لكن مجهود هؤلاء اللاعبين حل تلك المشكلة البحثية فى ثلاثة أسابيع، ولم يستخدم الباحثون سوى لعبة على الإنترنت. حدث ذلك سنة 2011.
هناك الكثير من الأمثلة فى التاريخ القديم والحديث، لكننا سنكتفى بما ذكرناه.
قد يعترض البعض بأن العلم الآن أكثر تعقيدًا ويحتاج إمكانيات كبيرة. هذا صحيح فى المشروعات البحثية الكبيرة التى تحتاج فريقًا بحثيًا ضخمًا، والكثير من هذه المشروعات البحثية يحتاج باحثين من تخصصات مختلفة وتمويلًا ضخمًا، وفى الغالب لا يكون للمشروع البحثى مردود سريع، وبالتالى لا يُعتبر أولوية للدول النامية التى من الأفضل لها العمل على الأبحاث العلمية ذات المردود السريع، وتحل مشكلة موجودة على الأرض كما ذكرنا فى مقالات سابقة. طبعًا هناك استثناءات، لكننا نتكلم فى العموم. فى كل الأحوال، البحث العلمى قد ينجح وقد يفشل.
• • •

 

 


لنتقبل الفشل بصدر رحب
كما ذكرنا فى مقدمة مقالنا، فإننا نخجل من الخطأ والفشل، ويشعر الكثيرون بالملل والسأم من العبارات المعلبة مثل «الفشل هو أول خطوات النجاح»، ويعتبرونه «كلامًا نظريًا». لكن تاريخ العلوم والبحث العلمى ملىء بأخطاء فى البحث العلمى قادت إلى اكتشافات مهمة. يجب ألا نعاقب الأخطاء العلمية، خاصة أن البحث العلمى هو اقتحام للمجهول. لكن الطلاب لا يرون إلا البحث العلمى الباهر المنشور فى مجلات معتبرة، ولا يدرون كمّ التجارب الفاشلة التى حدثت فى الطريق. الباحثون أنفسهم يخجلون من ذكر هذه التجارب الفاشلة إلا بعد أن ينشروا البحث الناجح أو بعد الفوز بجائزة كبرى.
الكثير من الاكتشافات الكبرى حدثت بالصدفة أو نتيجة خطأ. اكتشاف البنسلين مثلًا كان نتيجة تلوث حدث بالخطأ فى تجربة أخرى، لكن ألكسندر فلمنج لاحظ شيئًا فى هذا الخطأ قاده إلى شىء آخر ناجح. هناك الكثير من الاكتشافات التى حدثت بالصدفة أو نتيجة خطأ، والمهم هو الملاحظة الدقيقة وعدم الخجل من الخطأ.
من الأشياء التى نعتبرها فشلًا هو التصنيف المتأخر للجامعات.
• • •

 

 

 


هل يجب أن نحاول رفع تصنيف جامعاتنا؟
تصنيف الجامعات هو شىء أشبه بموسوعة جينيس. هل يمكن أن نذكر أهمية أن يظهر اسمك فى تلك الموسوعة، اللهم إلا «المنظرة»؟ تلخيص الجامعة فى رقم هو تبسيط مُخل. أغلب الجمهور لا يعلم كيف تم حساب هذا الرقم، خاصة أن الناس تستخدم التصنيف لاختيار جامعة لأبنائهم. والتصنيفات فى أغلبها تعتمد على البحث العلمى وليس جودة التعليم، أى إن جامعة قد تكون متقدمة جدًا فى البحث العلمى لكن التدريس فيها سيئ، لأن الأساتذة لا يريدون «تضييع» الكثير من الوقت فى التدريس ويفضلون البحث العلمى.
طرق التصنيف خرجت من الغرب، وفى فلسفتها الجامعات الغربية، لكن لكل دولة أو لكل منطقة أولوياتها، فلماذا نعتمد على فلسفة الغير لتحديد كفاءتنا؟ طبعًا هذه ليست دعوة لإهمال الجامعات بحجة أن التصنيف غير مهم، لكن يجب أن نبنى طرقنا لتحديد الجامعات الجيدة من السيئة طبقًا لأولوياتنا.
قد يعترض البعض بأن الجامعة هى مكان للعلم، والعلم لا جنسية له. هذه الجملة صحيحة جزئيًا؛ البحث العلمى لا يعتمد على الجنسية أو المنطقة، وأخلاقيات البحث العلمى ثابتة، لكن اختيار موضوعات البحث العلمى يعتمد على كل دولة، وطرق التدريس والنشاطات داخل الجامعة تختلف من ثقافة إلى أخرى، وإعطاء الأولوية للتدريس أو للبحث العلمى يعتمد على سياسة كل دولة.
• • •
الأصل فى الجامعة أن تساهم فى نمو المجتمع الذى تتواجد فيه، عن طريق تخريج شباب يمكنه العمل بمهارة، ويمكنه تعلّم ما يستجد، ويمتلك أخلاقيات العمل والبحث. وتساهم الجامعة فى البحث العلمى المهم لمجتمعها. ليس الأصل فى الجامعة أن تزهو بحفلاتها وتصنيفها وملاعبها الرياضية.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة