دار الحديثُ فى مَجال الاقتصاد والحروب، ولما أدلى أحد الجالسين برأى بدا شاذًا غير معقول وادعى أن مصدرَه مَرجِع أجنبيّ، ردَّ عليه آخر: "العلم نور". عادة ما نستخدمُ جملة "العلم نور" فى مَعرِض السُّخرية من جهل الآخرين؛ لكن ثمة ذكرى عَطرة تحملها أيام الطفولة؛ فقد زيَّنت الجملةُ جدرانَ المدارس وكان وقعها جادًا رزينًا، والحقُّ أن كثير الشعارات الحاضرة فى حيواتنا فقدت معانيها؛ فالأفعال لا تلاقيها على أرض الواقع، وشأن العِلم فى خبر كان؛ تشتُّت وتفاوُت وارتباك، وأجيال غُمِّ عليها الطريقُ وتفرَّقت بها الغايات. • • •جَرَت وقائع مُؤسفة بمدارس عدَّة، اعتدى فيها الطلابُ وبعض المرات ذووهم على مُعلم أو مُعلمة. الأسبابُ مُتنوعة والنتائجُ مُهينةٌ مُزعِجة، وقد توارت الحِكمةُ القديمةُ التى ظنناها أبدًا راسخة: "من علَّمنى حرفًا صِرت له عبدًا" وباتت فى حكم المُنقرِضات؛ بل وحلَّت محلَّها المناقضاتُ؛ فمَن علمنى حرفًا أهنته كى لا يكون له على فضلٌ، أو ضربته كى يُعطينى الدرجة. يُبجل الصينيون مُعلميهم، ويبذلون لهم مَوفورَ الاحترام؛ بل ويرفعونهم إلى مَرتبة القداسة، والفوارق بيننا وبينهم؛ مجتمعًا وأمةً، لا تحتاج شرحًا ولا استفاضة. • • •قد يسأل الواحد عما خفيَ عليه من أمور؛ دون أن يحملَ دافعًا واضحًا للتساؤل؛ فإن استفسر الناسُ عن سببِ السؤال؛ أجابهم مُحرجًا: للعِلم بالشيء. المعرفةُ بذاتها هدفٌ لا مجرَّد وسيلة، و"العلم بالشيء" يعكس فضولًا خالصًا ورغبةً حقيقية فى الحصولِ على المَعلومة، وقديمًا أنشد الشاعر: "تعلَّم إذا ما كنت لستُ بعالمٍ .. فما العِلمُ إلا عِند أهلِ التعلُّم .. تعلَّم فإن العِلمَ أزينَ للفتى .. من الحلَّة الحَسناء عِند التكَلُّم".• • •ضِمن مُستويات المَعرفة الأربعة؛ وَصَفَ الخليلُ بن أحمد نوعَين من البشر فقال: "رَجلٌ يدرى ويَدرى أنه يَدري؛ فذلك عالمٌ فاتبعوه، ورَجلٌ لا يَدرى ويَدرى أنه لا يَدري؛ فذلك مُسترشِد فارشِدوه". كلا الرجلان صاحبُ فضل، الأول ينشر العِلمَ والثانى يَطلبه، أما النوعان الثالث والرابع، فأحمقٌ غافلٌ لا يدرى بجهله، أو عالمٌ غافلٌ أيضًا لا يدرى بعِلمه؛ وكلاهما لا ينتفع ولا ينفع الآخرين، وإذا قيل إن مُجالسةَ الجاهلِ مرضٌ للعالِم؛ فالقولة مَشروطة؛ إذ جاهلٌ مشتاقٌ للتعلُّم قد يفتح أبوابًا منسيَّة ويثير بتساؤلاته أفكارًا تستحقُّ البحث.• • •"زلةُ العالِم مَضروبٌ بها الطَّبل، وزلَّة الجاهلِ يُخفيها الجَّهل"، والحالُ ما طابت الظروف واعتدلت الأجواءُ أن يكون العالِمُ محطَّ الأنظار، يُشار له بالبنان ويُسمع لكلمته صَدى وتُحدِث قولتُه أثرًا؛ فإن أخفقَ، أوقع دويًا يَصُمُّ الأسماع، أما الجاهل؛ فالقاعدة أن يخطئ وأن يأتى حديثُه مَحضَ غثاء دون أن يستشعر الناسُ أزمةً؛ إذ لا ينتظرون منه ما يشفى حيرتَهم ويرأبُ صدوعَهم ويُضيء طريقهم. • • •لا يجب أن تثنى المشقةُ طالبَ المعرفة ولا أن يقعده التقدُّم فى العمر عنها؛ والمأثورات التى نتناقلها بصيغة الأمر تقول: "اطلبوا العِلمَ ولو فى الصّين"، و"اطلبوا العِلمَ من المَهد إلى اللحد"، أما تلك التى توصى بالتبكير فى تعليم الأولاد فعلى رأسها: "التعليم فى الصّغَر كالنَّقش على الحَجر". • • •فى معارضة لافتة لشعر أحمد شوقى القائل: قِف للمُعلِّم وفِه التَّبجيلا .. كاد المُعلمُ أن يكونَ رسولًا؛ تداول الناسُ على وسائل التواصل بيتًا يقول: قِف للمُلثم وفِه التَّبجيلا .. رَفضَ المُلثمُ أن يعيشَ ذليلا؛ والمَقصود بطلُ المقاومة الفلسطينية، وصوتُها الصادح الذى ارتقى بعدما أدى دورًا عظيمًا وخلف آخرين على الدَّرب ذاته، وإذ يدعُ البيتُ لاحترامه؛ فالوقوفُ فى حضرته أقلّ القليل. • • •إذا سأل الواحد سؤالًا وجاءته الإجابة: "عِلمى عِلمك"، فقد اجتمع السائل والمسؤول كلاهما على الجَّهل بالأمر. بعضُ الناس يفضلون استخدام تعبير: "العِلم عند الله" عوضًا عن الإقرار بغياب المعلومة عن أذهانهم، وفى الأحوال كلها؛ يبقى الالتزام بعدم إعطاء جواب غير صحيح أمرًا مقدرًا، والمأثور فى هذا الشأن حاسِم: "مَن قال لا أعلم فقد أفتى". عرفت واحدًا من كبار الأطباء الذين احتفظوا بقدرتِهم على التَّشخيص بأقل قَدرٍ من الاختباراتِ المَعملية، وبالاعتماد على مهارة المُلاحظة وطرح الأسئلة المناسبة ثم الكشف الدقيق. بعد انتهاء الفحص والاطلاع على تاريخ المريضة؛ طلب بعض التحاليل لاستبعاد أمراضٍ مُحدَّدة، وفى الزيارة التالية أخبرها: "الصراحة لا أعرف سبب شكواك". كانت تلك واقعة نادرة أصادف فيها مَن لم يأخذه اعتزازه بذاته؛ فيمنعه من إعلان جهله، ولم يتمكن منه الغرور؛ فيدفعه لاختراع حجج وذرائع، وتفسيراتٍ لا أصل لها من الصحة. • • •إذا كان "باب النجَّار مخلَّع" كما يقرُّ المثلُ الشعبيُّ الأصيل، فبيتُ الشّعر الفصيح يزيد القولَ مكيالًا، ويؤنبُ النجَّارَ على خيبتِه وإهماله. يقول شاعر العَصر الأمويّ المُتوكل الليثي: "يا أيها الرَّجلُ المُعلمُ غيرَه هلَّا لنفسِك كان ذا التعليمُ؟ .. تصِفُ الدواءَ لذى السِقام وذى الضنا كى ما يصحُّ به وأنت سقيمُ". درجنا على تقديم النُّصح للآخرين؛ بينما نعانى العللَ التى تفتُّ فى أجسامنا وتنخَر عظامنا، نراها لديهم ولا نراها فى عقر دارِنا، نعرّض بهم؛ بينما نستحقُّ من قبلهم اللومَ والتأنيب.
مقالات اليوم جميل مطر السلام مشوشًا أم مؤجلًا أم خدعةً؟ حسن المستكاوي هل تقاطع أوروبا كأس العالم؟ محمود محي الدين هذا العالم.. «مرة أخرى» علي محمد فخرو حاجة العالم إلى مرجعيات قيميّة أخلاقية إنسانية صحافة عربية الفراغ الافتراضى وإعادة تشكيل الوعى قضايا اقتصادية الطاقة فى الأراضى الفلسطينية
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك