نشر موقع 180 مقالًا للكاتب عبدالحليم حمود يتناول فيه القضية الكردية باعتبارها مشروعًا حضاريًا يبحث عن اكتماله السياسى، معتمدًا على مخزون سردى وتاريخى هائل يقاوم رياح التغيير السياسى فى المنطقة.. نعرض من المقال ما يلى:
تقوم المعضلة الكردية على مفارقة مركزية: جماعة بشرية واسعة، متواصلة فى ذاكرتها ولغتها وعاداتها، تعيش داخل أربع دول إقليمية كبرى، وتتحرك سياسيًا ضمن حدود رسمتها تحولات القرن العشرين وصراعاته. يتشكل المعنى الكردى عبر طبقات متراكبة: طبقة أنثروبولوجية تحمل سمات المجتمع وتقاليده، طبقة لغوية تُنتج الوعى بالذات، طبقة تاريخية تروى سرديات الأصل والانتماء، ثم طبقة استراتيجية تُترجم كل ذلك إلى سؤال القوة والحدود والاعتراف والتمثيل.
فى البعد التاريخى-الهويّاتى، يظهر الكرد ضمن المجال الإيرانى الأوسع فى غرب آسيا، مع حضور قوى لسرديات تربطهم بالعائلة الإيرانية القديمة، ومع تداول اصطلاح «الآريين» فى الخطاب القومى بوصفه ركيزة رمزية تمنح الهوية عمقًا تاريخيًا. تتحول هذه السرديات إلى طاقة سردية تُغذى الشعور بالتمايز، وتمنح الجماعة إحساسًا بالاستمرارية، وتُسهم فى تشكيل هوية جمعية شديدة الحساسية تجاه الاسم واللغة والرمز.
اللغة الكردية تُمثّل محورًا تأسيسيًا فى بناء الهوية، فهى لغة متعددة اللهجات والمسارات، تتقدّم فيها الكورمانجية والسورانية وسواهما كعوالم داخل عالم واحد. هذا التعدد يعكس توزّع الجماعة جغرافيًا، ويُنتج فى الوقت نفسه تنوعًا فى الإيقاع والمفردات وطرق الكتابة. فى التجربة الكردية تتحول اللغة إلى مؤسسة غير رسمية تحفظ المجتمع حين يتعرض الضغط لتمثيله السياسى، وتتحول إلى ذاكرة قابلة للنقل، ووسيلة لتربية الوعى القومى داخل البيت والمدرسة والأغنية والحكاية. أما التوزيع الجغرافى فيقدم مفتاحًا استراتيجيًا حاسمًا لفهم القضية. فى تركيا يتركز الوجود الكردى فى الشرق والجنوب الشرقى، ضمن فضاء ريفى ومدينى يشهد توترًا طويلًا حول الحقوق السياسية واللغوية. فى إيران ينتشر الكرد فى المحافظات الغربية القريبة من حدود العراق، حيث يتجاور الحس القومى مع انتماء ثقافى أوسع داخل السياق الإيرانى. فى العراق تبلورت التجربة الأوضح من حيث المؤسسات عبر إقليم كردستان، مع إدارة ذاتية وتشكل سياسى مركزى داخل الدولة العراقية. وفى سوريا يبرز الوجود الكردى فى الشمال الشرقى وأجزاء من الشمال، ضمن مشهد اجتماعى حديث نسبيًا، ازداد وضوحه السياسى فى سياقات الصراع والتحولات الإقليمية.
فى الطبقة الأنثروبولوجية، تتجلى ملامح المجتمع الكردى عبر قيم تبدو متكررة فى سردياته وطقوسه اليومية: مكانة عالية للعائلة والقرابة، قوة الضيافة بوصفها شرفًا، حضور العشيرة أو الروابط المحلية كقوة تنظيم اجتماعى، مع نزعة واضحة إلى تحويل الغناء والحكاية إلى أدوات تثبيت للذاكرة. تتكوّن الشخصية العامة فى المخيال الشعبى على صورة "الروح الجبلية": صلابة، قدرة على الاحتمال، حسّ فطرى بالحرية، واعتزاز قوى بالهوية، مع قابلية كبيرة للتكيف ضمن البيئات المختلفة، من القرية إلى المدينة إلى المنفى.
اللباس التقليدى يقدّم قراءة بصرية لهذه الهوية. يبرز لباس الرجل بوصفه عمليًا وواسعًا، يليق بالحركة والعمل فى الطبيعة، مع شال أو حزام وغطاء رأس بحسب المنطقة. ويظهر لباس المرأة كاحتفاء باللون والتطريز واللمعان، مع حلىّ تقليدية تضع الجسد داخل سردية جمال وهوية فى آن واحد، فتغدو الألوان ليست زينة فقط، بل إعلان اجتماعي عن الانتماء والحضور.
ضمن التنوع الدينى والثقافى يبرز الإيزيديون كمكوّن ذى خصوصية داخل العالم الكردى، يحمل نظامًا روحيًا وعادات متجذرة وعلاقة قوية بالأماكن المقدسة وبالذاكرة الجمعية. يضيف الإيزيديون بعدًا فسيفسائيًا للمشهد الكردى المسلم بأغلبيته، ويمنحون الهوية الكردية اتساعًا يتجاوز التصنيفات الدينية الشائعة فى المنطقة.
فى البعد السياسى، يتجسد المشروع الكردى فى اتجاهات متعددة. يظهر خط مصطفى بارزانى بوصفه أحد الأعمدة المؤسسة للوعى السياسى الكردى الحديث، ثم يظهر امتداد ذلك فى تجربة إقليم كردستان عبر شخصيات مثل مسعود بارزانى وجلال طالبانى، حيث برزت البراجماتية السياسية وبناء المؤسسات والتحالفات. وبموازاة هذا المسار يبرز عبدالله أوجلان كاسم مفصلى قدّم رؤية تنظيمية وفكرية مختلفة، تقوم على إعادة تعريف السياسة من داخل المجتمع، مع أسئلة حول الإدارة الذاتية والدور الاجتماعى والعدالة. وإلى جانب السياسة، يحضر العمق الثقافى عبر اسم أحمد خانى صاحب «مم وزين» كرمز أدبى رفع اللغة الكردية إلى مقامها الملحمى، ومنح الهوية بعدًا تخييليًا حاسمًا.
أما عيد نوروز فيأتى داخل هذه البنية بوصفه طقسًا جامعًا يعبّر عن اكتمال عناصر الهوية فى لحظة واحدة: نار تعلن بداية دورة جديدة، خروج جماعى إلى الطبيعة، ألوان تتحول إلى رايات، ودبكات تصنع شكلًا دائريًا يشبه حماية الذاكرة. فى هذا العيد يتحول الرمز إلى ممارسة، وتتحول الجماعة إلى جسد واحد يكتب هويته بالفرح، ويستعيد مكانه فى العالم عبر الاحتفال.
فى أوروبا، يظهر الشتات الكردى كامتداد معاصر للقضية، خصوصًا فى ألمانيا، حيث تتشكل حياة كاملة من التنظيم المدنى والعمل الثقافى والإعلامى، مع صراع داخلى بين الاندماج والمحافظة على اللغة والذاكرة. هناك تتحول الهوية إلى مشروع يومى: مدرسة، جمعية، موسيقى، فعالية عامة، وخطاب حقوقى، فتغدو أوروبا ساحة ثانية لتمثيل القضية وتدويل رموزها.
بهذا المعنى، تبدو المعضلة الكردية كقضية هوية تتكامل عناصرها الثقافية والاجتماعية بقوة، وتسعى نحو اكتمال سياسى يظل مرهونًا بتوازنات إقليمية صعبة. شعب حاضر فى لغته ولباسه وطقوسه وأعياده، يكتب ذاته باستمرار، ويقاوم التلاشى عبر ذاكرة جماعية تشبه نارًا صغيرة تقاوم رياح التاريخ.