الإنسان المؤقت

الإثنين 18 مايو 2026 - 6:50 م

هل أصبحنا نعيش عصر الإنسان المؤقت القابل للاستبدال؟ فى جوانب مختلفة من حياتنا تحولنا إلى مجرد أشخاص عاديين أو مجرد أرقام، لم تعد هناك فردانية تميز بعض البشر، ويبدو أنه قانون الحياة الفائق الحداثة، وبالإمكان تتبع مظاهره فى أكثر من حقل.

 


فى الماضى كنا أكثر فرادة، وكان هناك بعض البشر الذين يصعب تعويضهم، حيث لا بديل لهم فى مجالهم، بداية من المرجعيات فى الفكر والثقافة، وليس نهاية بالحرفى الذى كان يمارس حرفة يدوية.
فى العديد من الأعمال، باتت العمالة مؤقتة ويتم الاستغناء عنها بسرعة، ولم يعد صاحب العمل يهتم بالاستثمار فى عامل يبقى معه لفترات طويلة، وهى ظاهرة نلمحها هنا وهناك، وبعض الوظائف أشبه بـ«التيك أواى»، وحتى فى علاقتنا بالعمال والموظفين لم تعد هناك علاقات إنسانية تربطنا بهم كما الماضى، المهم أن تحصل على خدمتك، فلم يعد يهمنى مستوى الحرفى ولا أود أن أعرف عنه أى شىء، هو بالنسبة لى أشبه بكائن وظيفى أو آلة، ولا يعنينى إذا تغير كل يوم.
عندما نقارن هذه الصورة بما عهدناه فى السابق سيتضح لنا أن البشر الذين نتعامل معهم لا يأخذون فى وعينا إلا سمة «المؤقت»، ففى الماضى كان هناك وزن للخبرة وللعلاقات الطويلة الأمد، وربما أتعامل مع موظف أو عامل أقل مهارة من آخر، حيث تربطنى بالأول علاقة إنسانية ما، وهى قيم لم تعد موجودة فى الراهن.
الصورة لا تختلف كثيرًا عن الأنشطة الذهنية، فالمثقف تحوّل إلى مستشار أو خبير يعمل فى هذه المؤسسة أو تلك، يؤمن بسياستها، وليس هناك ما يمكنه قوله ونابع من قناعاته الشخصية، وحتى تلك الأخيرة تتغير بسرعة وفقًا لبوصلة المؤسسة التى ينتمى إليها، ولذلك هو قابل للتغيير بدوره، ومن هنا لا توجد مرجعية أو رمز فكرى فى ثقافتنا الراهنة، هذا أيضًا حدث بدرجة أو أخرى مع الفنان والكاتب والأديب والمطرب الذين أصبحوا يظهرون بسرعة، وباتوا أشبه بالأغنية المصورة «الفيديو كليب»، نشاهدها على عجل ولا تبقى فى الذاكرة.
الظاهرة نفسها تسود العلاقات الإنسانية، فما كنا نطلق عليه فى الماضى «جار العمر» اختفى، وبدورها توارت صداقة العمر، وتراجعت قصص الحب إلى الوراء كثيرًا، وحتى فى العلاقات السريعة التى تسود مواقع التواصل تحولنا جميعًا إلى أقنعة، نكذب على بعضنا البعض، فالجميع عابر، وتغير مفهوم السرعة هنا، وبات من الأصح أن نصفها بالعلاقات اللحظية.
وليس الإنسان وحده فى الحداثة السائلة التى نعيشها من يمكن وصفه بـ«المؤقت»، بل الأفكار والقيم والأمكنة، وبات من النادر أن تجد أحدهم يكتب لك فى عشق المكان كما كنا نقرأ فى السابق، فالأمكنة بدورها عابرة، لا تحفر ولا تؤثر فى الروح.
فى مختلف جوانب هذه الصورة لا رسوخ لإنسان ولا بقاء لقيمة، ولا يمكن لعلاقة أن تثمر، واختفت سرديات كبرى حلقت فى الماضى بإنسان يعرف أن وجوده نفسه يرتبط بقوة ثباته فى مواجهة خفة العابر المؤلمة.

 

يحيى زكى
جريدة الخليج الإماراتية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة