فى لحظة تحمل دلالات تتجاوز حدود الجوائز الفردية، جاء إعلان مركز السينما العربية منح الفنان حسين فهمى جائزة «شخصية العام السينمائية العربية»، ومنح الناقد الكبير طارق الشناوى جائزة «الإنجاز النقدى لعام 2026»، على هامش فعاليات مهرجان كان السينمائى، ليؤكد أن الحضور المصرى فى المحافل السينمائية الدولية لا يقوم فقط على الأفلام والنجوم، وإنما أيضا على المؤسسات، والفكر النقدى، والخبرة الثقافية المتراكمة.
تكريم حسين فهمى يبدو منطقيا فى توقيته ودلالته. فالرجل لم يعد مجرد نجم جماهيرى صاحب تاريخ طويل أمام الكاميرا، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة واحدا من أبرز الوجوه التى تعيد تقديم السينما المصرية عربيا ودوليا عبر رئاسته لـمهرجان القاهرة السينمائى الدولى. منذ توليه المسئولية، عمل فهمى على استعادة بريق المهرجان، وتوسيع حضوره العالمى، والانفتاح على أجيال جديدة من السينمائيين، مع الحفاظ على هوية المهرجان بوصفه أقدم مهرجان سينمائى دولى فى العالم العربى وإفريقيا.ما يميز تجربة حسين فهمى تحديدا، أنه نجح فى الجمع بين «النجم» و«الإدارى الثقافى». وهى معادلة نادرة فى العالم العربى. فالكثير من النجوم يمتلكون الكاريزما، لكن قليلين فقط يستطيعون تحويل هذه الكاريزما إلى مشروع ثقافى مستدام. وخلال دوراته الأخيرة، بدا مهرجان القاهرة أكثر حيوية وانفتاحا، سواء عبر برامجه أو ضيوفه أو قدرته على استعادة مكانته ضمن خريطة المهرجانات الدولية.أما تكريم طارق الشناوى، فهو يحمل قيمة خاصة تتعلق بمكانة النقد الفنى نفسه. ففى زمن تتراجع فيه مساحة النقد الجاد أمام سرعة السوشيال ميديا والانطباعات العابرة، يظل الشناوى واحدًا من آخر ممثلى المدرسة النقدية التى تؤمن بأن النقد ليس «هجومًا» أو «إشادة»، بل قراءة ثقافية وفكرية للفن والمجتمع.على مدار عقود، تحول طارق الشناوى إلى شاهد حى على تحولات السينما والدراما والإعلام فى مصر والعالم العربى. لم يكن مجرد ناقد يكتب عن الأعمال الفنية، بل كان جزءًا من الحوار الثقافى العام، حاضرا فى المعارك الفكرية والفنية، ومدافعا عن حرية الإبداع، ومؤمنا بأن الفن الحقيقى لا ينفصل عن قضايا المجتمع.اللافت إلى أن الجائزتين معا تعكسان صورة متكاملة للقوة الناعمة المصرية: حسين فهمى يمثل المؤسسة السينمائية والخبرة الفنية والقدرة على الإدارة الثقافية، بينما يمثل طارق الشناوى الضمير النقدى والفكرى للحركة الفنية. الأول يعمل على صناعة المناخ، والثانى يقرأ هذا المناخ ويفككه ويمنحه معناه الثقافى.كما أن منح الجائزتين على هامش مهرجان كان تحديدًا يمنح التكريم بعدًا إضافيًا. فـمهرجان كان السينمائى ليس مجرد مهرجان سينمائى، بل منصة عالمية تعكس موازين الحضور الثقافى فى العالم. وعندما يتم الاحتفاء باسمين مصريين فى هذا السياق، فإن الرسالة تتجاوز التكريم الشخصى إلى التأكيد على استمرار تأثير السينما المصرية عربيا، رغم كل التحديات الإنتاجية والاقتصادية التى تواجه الصناعة.وربما الأهم أن هذا التكريم يأتى فى لحظة تحتاج فيها الثقافة العربية إلى استعادة الثقة فى رموزها وخبراتها. فالفن لا يعيش فقط بالأعمال الجديدة، بل أيضا بالذاكرة، والتراكم، والقدرة على الحفاظ على المعنى. وهنا تبدو تجربة حسين فهمى وطارق الشناوى مثالًا لجيل ما زال يؤمن بأن السينما ليست ترفًا، بل جزء من هوية المجتمع ووعيه وصورته أمام العالم.فى النهاية، فإن تتويج حسين فهمى وطارق الشناوى لا يبدو مجرد احتفاء باسمين كبيرين، بل احتفاء بفكرة كاملة: أن السينما العربية لا تزال قادرة على إنتاج رموز تمتلك الحضور، والخبرة، والتأثير، داخل الشاشة وخارجها.
khalednogom@yahoo.com
مقالات اليوم عماد الدين حسين فى الطريق إلى «الدلتا الجديدة» طلعت إسماعيل أحاديث برقاش فى ماسبيرو مصطفى الفقي العلاقات الأوروبية ــ الأمريكية بشير عبد الفتاح هل تشترى إيران رءوسًا نووية جاهزة؟! مدحت نافع فقاعة التمويل الاستهلاكى تحت المجهر ناصيف حتى أى مستقبل للتعاون بين ضفتى المتوسط؟ ساره راشد عبد الرحمن أبو زهرة علامة مسجلة صحافة عربية الإنسان المؤقت من الصحافة الإسرائيلية المشككون فى أن آفى بلوط يحارب إرهاب المستوطنين يفوتهم الهدف الأكبر
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك