x قد يعجبك أيضا

أى مستقبل للتعاون بين ضفتى المتوسط؟

الإثنين 18 مايو 2026 - 6:50 م

عوامل الجغرافيا والتاريخ ومعهما الاقتصاد والسياسة أحدثت مع الزمان ترابطا وثيقا من حيث درجة التأثير المتبادل، ولو بدرجات مختلفة وفى أمور مختلفة بين ضفتى المتوسط فى عمقهما العربى والأوروبى. وأخذ هذا التعاون طابعا مؤسسيا متعدد الأطراف وفى صيغ مختلفة فى الكثير من الحالات. يدفعنا الحديث عن حاضر هذه العلاقات إلى ادراج الملاحظات التالية:

 


أولا: إن عملية البناء الأوروبى التى كانت تاريخيا النموذج الذى يقتدى به على الصعيد العالمى فى الحديث عن بناء أطر تعاون مؤسساتية إقليمية بين الدول، صارت اليوم تواجه العديد من التحديات. نشهد ذلك اليوم فى مجالات الدفاع أو الأمن الأوروبى المشترك وكذلك فى السياسة، مع غياب سياسة مشتركة فاعلة تجاه القضايا الرئيسية التى تواجهها الجماعة الأوروبية وكذلك فى الاقتصاد مع التراجع الكبير فى القدرة التنافسية فى الصناعة وتراجع مكانة هذه الأخيرة فى الاقتصادات الأوروبية لمصلحة الصين الشعبية بشكل خاص إلى جانب «الغرق» فى أزمة الطاقة مع انعكاساتها السلبية على أوروبا دولا ومجتمعات.
ثانيا: التحولات التى تعيشها منطقة الشرق الأوسط: الإقليم المحاصر فى مثلث من الأزمات الساخنة والحروب من منطقة الخليج إلى البحر الأحمر إلى شرق المتوسط. أزمات وحروب مترابطة بأشكال متعددة يؤثر أو يتأثر احتواؤها بعضها بالبعض الآخر رغم مسبباتها الأساسية المختلفة والخاصة بها، وذلك بسبب التضامن السياسى والاستراتيجى والعقائدى بين بعض أطرافها، دولا وجماعات. السؤال المطروح حاليا يتعلق «باليوم التالى» وتحديدا بطبيعة النظام الإقليمى الذى سينشأ من حيث بنية القوة وأنماط السياسات والتحالفات التى ستتبلور. فهل سنتجه نحو الاستقرار أو نحو نظام فوضى لا يخضع للقواعد التقليدية المعروفة للعلاقات بين الدول بل يقوم على استمرار التدخل فى شئون الآخر باسم استراتيجيات كبرى أو هويات عابرة للحدود.
ثالثا: هنالك تراجع هائل للدور الأوروبى التقليدى فى شرق وجنوب المتوسط وتحديدا للتدخل بغية التأثير الفعلى والفعال فى احتواء وإدارة وتسوية الاختلافات والنزاعات التى لها دائما تداعياتها على الضفة الغربية للمتوسط ولو فى أوقات ودرجات مختلفة، إذا لم يتم احتوائها. وفى هذا السياق نشهد ازدياد الخلافات الأمريكية الأوروبية فى «البيت الأطلسى» تحت تأثير السياسات الأحادية الأمريكية وعدم تجاوب أوروبا مع ذلك بشكل عام. وتظهر الاختلافات بشكل متزايد فى خط الصراعات الدولية الممتد من إيران إلى أوكرانيا، بسبب اختلاف الأولويات بشكل خاص أحيانا أو بسبب طبيعة الدور المطلوب من الحليف فى كل من هذه الحالات.
رابعا: يأتى «ميثاق المتوسط» الذى أصدره الاتحاد الأوروبى فى أكتوبر من العام الماضى، فى الذكرى الثلاثين لولادة الشراكة الأورومتوسطية المعروفة «بمسار برشلونة» كحامل لرؤية واستراتيجية للتعاون ليس فقط مع الدول الأعضاء فى الشراكة المتوسطية بل أيضا مع دول الخليج العربية ودول جنوب الصحراء فى إفريقيا وأيضا دول غرب البلقان. رؤية واستراتيجية تحاول الاستفادة من دروس الأمس لتطوير رؤية أكثر عملية وواقعية وتدريجية فى مقاربتها للشراكة المتوسعة من جديد، أمامها دون شك الكثير من التحديات حتى يمكن تحويلها من أفكار ومقترحات إلى سياسات عملية.
خامسا: إن هذه الرؤية الأوروبية تقوم على توسيع عدد أعضاء «النادى التعاونى». التعاون الموسع فى الجغرافيا الذى يؤكد على أهمية اللجوء للصيغ المرنة لتحقيق أهدافه من حيث التركيز على المواطن والتعليم النوعى والتثقيف وعلى الوسائل الجديدة فى تعزيز التعاون الاقتصادى والتجارى وأخيرا التعاون فى مجال مكافحة الهجرة والإرهاب ضمن أمور أخرى. تعاون يستدعى كما نذكر دائما بضرورة إيلاء أهمية من طرف الشريك الأوروبى لضرورة المساهمة والمساعدة فى معالجة المسببات «الطاردة» للبشر، وبالتالى الدافعة للهجرة غير القانونية. يتطلب ذلك الإسهام والتعاون بشكل كبير مع بعض «دول الجنوب» فى المساعدة على معالجة المسببات البنيوية من بيئية واقتصادية وغيرها الطاردة للناس. ونذكر دائما أن على الدول الأوروبية المساعدة فى «تصدير» جزء أساسى من الحلول لهذه الدول التى تعانى من أزمات هيكلية فى مجالات النمو لتلافى «استيراد» بعض هذه المشاكل بصيغ مختلفة. إن تعاونا ناجحا فى هذا المجال يستدعى أن يقوم على مفهومين أساسيين: التعاون المتعدد السرعات (من حيث وجود دول قادرة أكثر من غيرها فى المجموعة فى الذهاب بعيدا أو بشكل أسرع من أخرى فى التعاون) والتعاون القائم على ما يعرف «بالهندسة المتغيرة» من حيث وجود قطاعات فى دول معينة قادرة أكثر من غيرها فى دول أخرى فى المضى فى مسار أسرع للتعاون الإقليمى.

 

وزير خارجية لبنان الأسبق

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة