العلاقات الأوروبية ــ الأمريكية

الإثنين 18 مايو 2026 - 6:55 م

لقد تمخضت الحرب العالمية الثانية عن نظام دولى وإقليمى تحددت به ملامح الجغرافيا السياسية لدول العالم المعاصر إذ إن الأمم المتحدة التى كانت نتاج تلك الفترة كانت هى أيضًا بتعبير أدق حلف المنتصرين، ولذلك كان طبيعيًا أن ينعكس ذلك على التنظيم الدولى الجديد فكانت العضوية الدائمة لمجلس الأمن مقصورة على الدول الأوروبية التى شاركت فى الحرب العالمية الثانية وأضحت التركيبة الجديدة معبرة عن مراكز القوى الدولية المعاصرة حتى انضمت الصين إلى عضوية مجلس الأمن وتأمل الجميع أن تتحول الصورة بشكل مختلف خصوصًا فى ظل أجواء الحرب الباردة التى سادت المجتمع الدولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى سقوط حائط برلين وانتقال العالم من مرحلة الاستقطاب الثنائى الذى انتهى بانهيار الاتحاد السوفيتى السابق إلى مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها مرحلة الهيمنة الأمريكية التى أعادت من صفحات التاريخ فصولًا جديدة عن مفهوم السلام الأمريكى على غرار السلام الرومانى، وظل حلف الأطلنطى هو الوعاء السياسى للدول على ضفتى المحيط الأوروبية والأمريكية وبذلك كان النظام الدفاعى عن أوروبا مرتبطًا تمامًا بالنظام الدفاعى الغربى عمومًا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

 


ويكفى أن نتذكر أن الرئيس الأمريكى السابق دوايت أيزنهاور كان هو قائد قوات الحلفاء فى حرب النصر النهائى التى انتهت بها الحرب العالمية الثانية، ولقد فطن الروس وحلفاؤهم إلى الحلف الأوروبى الغربى ومخاطره على التوازن المطلوب بين الكتلتين، فكان ميلاد «حلف وارسو» ومقره بالعاصمة البولندية، وبذلك تشكلت القطبية الثنائية على مسرح الأحداث كما جرت اختبارات حادة لتلك الثنائية مثل ما جرى فى مطلع الستينيات وأطلق عليه الخبراء العسكريون «أزمة خليج الخنازير» التى وضعت العالم وقتها على حافة الحرب العالمية الثالثة، وحبست الدنيا أنفاسها أمام ذلك الصدام المرتبط بالحصار على الدولة الكوبية فى وقت احتدم فيه الصراع حتى خلع الزعيم السوفيتى خروتشوف حذاءه وهو على مقعده فى المنظمة الدولية الأولى تعبيرًا عن حدة الاحتجاج وتدهور الوضع الدولى حينذاك.
ولأن الولايات المتحدة الأمريكية قد اختارت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى بل ومنذ استقلالها عن المملكة المتحدة أن تكون دولة محاربة تعيش فى ظل مواجهات عسكرية بدءًا من الحرب الكورية إلى القتال فى فيتنام ثم حروبها المتتالية فى أفغانستان والعراق وغيرها من المواجهات التى تورطت فيها واشنطن وكانت نهايتها دائمًا التحول إلى صراع مفتوح ينزف دمًا فى كل الأحوال وقد دفعت ثمنه دائمًا شعوب العالم الثالث خصوصًا فى آسيا وإفريقيا فضلًا عن الانقلابات العسكرية التى وقفت وراءها واشنطن فى بعض دول أمريكا اللاتينية، ولذلك ظل النظام الدفاعى العالمى مرتبطًا بخرائط وسياسات البنتاجون وإرادة ساكن البيت الأبيض صاحب السلطات الواسعة التى لا مثيل لها فى عصرنا وهو ما أعطى الرئيس الأمريكى دائمًا إمكانات متاحة سياسيًا وعسكريًا جعلته بحق حاملًا لمفاتيح الحرب والسلام فى معظم الأوقات.
ولقد ظلت دول أوروبا الغربية أو ما أطلقت عليها واشنطن لقب «عواجيز الفرح» فى أوروبا معتمدةً فى نظمها الدفاعية على الولايات المتحدة الأمريكية التى احتفظت بقوات رمزية فى عدد من عواصم الأطلنطى داخل القارة الأوروبية، ورغم صحوة الصين ذلك التنين الأصفر الذى يمثل بلا نزاع القوة الاقتصادية الثانية فى عالمنا المعاصر قد أثرت هى الأخرى على موازين القوى فى وقت توارت فيه روسيا الاتحادية لفترة محدودة إلى أن جاءت الحرب الأوكرانية الروسية لكى تمثل مصدر إزعاج شديد لنظرية الأمن الأوروبى وتداعياته.
ونظر الأوروبيون إلى واشنطن باعتبارها قائدة المعسكر الغربى ورائدة نظامه الدفاعى خصوصًا وأن روسيا توقفت تمامًا أمام احتمال انضمام أوكرانيا لحلف الأطلنطى على نحو جعل المواجهة بين الكتلتين على المحك من كل اتجاه بل واقتربت فى بعض الأحيان من الإنذار المبكر لمواجهة عالمية توحى بحرب شاملة تكون تدميرًا للحضارة الإنسانية والتقدم التكنولوجى كما نراهما، وهنا نلفت النظر إلى عدد من الملاحظات المرتبطة بنظام الدفاع المشترك بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية ونعنى بذلك ما يلى:
أولًا، إن العلاقات الأوروبية الأمريكية لم تكن سخاءً رخاءً فى كل الأوقات فلا زلنا نذكر الموقف الأوروبى عمومًا والفرنسى خصوصًا من الحرب على العراق وكيف أنه كانت هناك أصوات عاقلة وعادلة تدعو إلى التريث وتحاول إيقاف الاندفاع الأمريكى الذى يهوى المعارك الجانبية والحروب الإقليمية كما أن الرفض العالمى لحرب فيتنام كان هو الآخر دليلًا على الهوة فى الفكر الاستراتيجى والتصور الجيوسياسى بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.
ثانيًا، إن النظام الدفاعى المرتبط بالحلف الأطلنطى يضم دولًا تنتمى إلى حضارات وثقافات مختلفة ويكفى أن نتذكر عضوية تركيا للحلف ودورها الهام فى غرب آسيا، بينما اندفعت الولايات المتحدة الأمريكية فى دعم إسرائيل عسكريًا وسياسيًا ولكنها لم تتمكن من إقناع كل دول الأطلنطى بسياساتها المنحازة لإسرائيل فكانت هناك ألوان مختلفة من الدعم والتأييد للدولة العبرية فى ظل تعاطف بعض دول الحلف مع الشعب الفلسطينى وقضيته العادلة التى طال عليها الأمد ودفع فيها الفلسطينيون والعرب أثمانًا فادحة، وجدير بالذكر أن نؤكد هنا أن سنوات العد التنازلى للعمر الافتراضى لمنظومة الأطلنطى قد بدأت بالفعل إذ لا توجد إرادة فاعلة للدفاع عن استراتيجية موحدة لدول الأطلنطى، ولعل المشهد الراهن على الساحة الدولية يؤكد ذلك فما أكثر منتقدى سياسات الرئيس الأمريكى الحالى ترامب فى عدد من العواصم الغربية التى جاهر حكامها بضرورة التخلى عن التطرف السائد فى قرارات البيت الأبيض؛ حيث المناخ المسيطر هو مناخ يؤمن بما نسميه سلام القوة وهو الذى يجعل الحل ملتهبًا على الدوام لإمكانية تحقيق انتصارات ولو وقتية ولكن تطرحها الإدارة الأمريكية الحالية ضمن شعارات المرحلة وأهدافها من المنظور القريب على الأقل.
ثالثًا، إن الدب الروسى المعنى تمامًا بامتدادات الأطلنطى وانكماشه المرحلى يراهن على ما يمكن من استنزاف لفاعليات الحلف وتأثيراتها على المستقبل، ويتجلى ذلك فى الدعم العسكرى السابق والتكنولوجى الواضح بجانب موسكو وبكين لنظام الملالى فى طهران والرغبة فى الحيلولة دون انهياره بمنطق أن عدو عدوى هو صديقى.
رابعًا، قد يقول قائل إن العالم المعاصر يقوم على تركيبة متجانسة لبناء موحد للحضارة الغربية بينما تبدو روسيا الاتحادية أبعد من ذلك بل وتبدو الصين أبعد ما تكون عن الفكر السائد فى واشنطن وتداعياته على العالم الحديث، كما أن التقدم التكنولوجى الصينى والروسى يدفعان بموسكو وبكين إلى آفاق جديدة لم تكن واردة من قبل، فالحرب الحديثة هى حرب تكنولوجية تعتمد على أجهزة جديدة قد يصل مداها إلى القدرة على مواجهة التطور السريع للأبحاث العلمية والدراسات المتطورة فى عصر الذكاء الاصطناعى وملحقاته.
من هذه الملاحظات السريعة يبدو جليًا أن العلاقات الدولية المعاصرة قد تغيرت كثيرًا وأصبحت ترجمة مباشرة للتفوق العلمى غير المسبوق فى مراكز الأبحاث خصوصًا فى صناعة السلاح الذى تفوقت فيه العسكرية الأمريكية على نحو غير مسبوق، وها هو العالم يحبس أنفاسه ترقبًا لقرار طائش من واشنطن أو صياغة مبهمة من طهران أو محاولة خبيثة من إسرائيل ولكن الأمر الذى لا خلاف عليه هو أن الجميع يرقب ما يجرى وينتظر انتصارًا للعقل على الاندفاع الطائش تجاه مواصلة القتال والعودة إلى منصة الحروب، كما أن الأمر لا يزال معقودًا على نتائج قمة بكين بين الصين والولايات المتحدة واحتمالات وجود مقايضة خفية ولكنها تنزع شرارة الحرب وتصل بالعالم إلى وضع أفضل.

 


نقلا عن إندبندنت عربية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة