x قد يعجبك أيضا

المشككون فى أن آفى بلوط يحارب إرهاب المستوطنين يفوتهم الهدف الأكبر

الإثنين 18 مايو 2026 - 7:00 م

يثير الخطاب العسكرى الجديد بشأن ضرورة كبح الإرهاب اليهودى حالة من انعدام الثقة فى أوساط اليسار؛ فهل يُعقل أن مَن غذّى الإرهاب أعوامًا سيقوم بكبحه الآن؟ لكن التحديد الواضح لحدود الظاهرة وإدانتها بلغة غير مسبوقة، وتوسيع نشاط حرس الحدود ضد المستوطنين، وتقليص الحماية المناطقية، وإنشاء قيادة من الشرطة لمحاربة الإرهاب اليهودى، أمور كلها تدلّ على أن الجيش، على الأقل، يحاول تغيير نهجه.

 


تتعدد أسباب هذه الخطوات الجديدة، ومنها: الخوف من فقدان السيطرة، وتصنيف العنف كجريمة تهدد المستوطنين أيضًا، والخوف من تنظيم فلسطينى مضاد يمكن أن يشعل المنطقة، والأضرار التى يُلحقها المستوطنون العنيفون بمؤسسات الاستيطان التى يظل الجيش وفيًا لها، فضلًا عن الحاجة إلى شرعية دولية، وخصوصًا فى ظل الإدانات الأمريكية.
إذًا، يبدو كأن الجيش ينوى محاربة الإرهاب اليهودى بجدية، لكن هذه أيضًا بشارة سيئة؛ إذ يجب التذكير بأن عنف المستوطنين لم ينشأ من فراغ، بل هو جزء من منطق «جيش الشرطة» العامل فى المناطق الرمادية، وبشكل خاص منذ أن أخذ على عاتقه تعزيز الضم الزاحف للمنطقة C. لقد أتاح عنف المستوطنين إقامة البؤر الاستيطانية فى فترة كانت إسرائيل الرسمية تمنع إقامة مستوطنات جديدة؛ كذلك أتاح تهجير التجمعات الفلسطينية السيطرة على الأراضى؛ لذلك، احتواه الجيش ورعاه.
أمّا البشارة السيئة، فهى أن الدولة لم تعُد بحاجة إلى عنف المستوطنين، بل أصبحت تعرقلها؛ فإذا كان المستوطنون دخلوا سابقًا مكان الدولة، فإن الدولة تسعى الآن للحلول مكانهم. إن سياسة الإنكار تفسح المجال أمام سياسة أكثر علنيةً ومأسسة، والمنطقة الرمادية تزداد سوادًا.
يكفى أن نتذكر ما قاله المقدم، الذى أُخفى وجهه، لبرنامج «زمن حقيقى» على قناة «كان 11»: حتى تعيين آفى بلوط قائدًا للمنطقة الوسطى فى صيف 2024، كانت المزارع الاستيطانية تُقام سرًا، ومن دون تنسيق مع الجيش، وتُفرض عليه؛ أمّا فى عهد بلوط، فأُقيمَ نحو 150 مزرعة، بتنسيق كامل مع الجيش، ولم يعُد الأمر يتم «من وراء الكواليس»، بل إن وزراء الصهيونية الدينية أشادوا بالتعاون مع بلوط علنًا. وليس من قبيل الصدفة أن تقيم الشرطة الآن آليةً لتنسيق إنشاء هذه المزارع؛ لقد انتقلت العملية من هامش المنظومة إلى قلب البيروقراطية الرسمية.
وإذا لم نقتنع بعد بأن السياسة تغيّرت، فإن بلوط نفسه، الذى سعى لكبح «شبيبة التلال»، تبنّى منطق عملٍ يذكّر بأساليب «جباية الثمن»، عندما أمر فى أغسطس الماضى باقتلاع 3000 شجرة فى قرية فرّ إليها فلسطينى حاول مهاجمة مستوطنين. والآن، يُطلب من الجنرال أن يوازن بين أعداد القتلى والجرحى الفلسطينيين التى تفاخر بها، وبين كبح عنف المستوطنين، لمنع انفجار الضفة الغربية.
إن المشككين فى جدية نية بلوط بشأن محاربة إرهاب المستوطنين يفوتهم تشكّل «صفقة التبادل الكبرى»، التى يلتزم الجيش، فى إطارها، توفير أمن أكبر وتعزيز السيطرة على المنطقة C، فى مقابل كبح المستوطنين الذين يعرقلون تنفيذ الصفقة. ولا يجب تجاهُل العملية الأوسع، التى يقوم فيها الجيش بكبح مبادرات الانتقام والعنف «من الأسفل»، عبر مأسستها بواسطة أجهزته الرسمية. وهذه من الميزات التى طبعت المراحل الأخيرة من الحرب فى غزة؛ فالانتقام لا يتوقف، بل يغيّر شكله، ليصبح ممارسة مؤسساتية، وربما ينتج عن ذلك جيش أكثر انضباطًا، لكنه ليس أكثر تقييدًا، وبالتأكيد أقلّ أخلاقية.

 

ياغيل ليفى
هاآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة