هل تشترى إيران رءوسًا نووية جاهزة؟!
الإثنين 18 مايو 2026 - 6:50 م
جسيمة هى الأضرار التى ألحقتها الهجمات الأمريكية ــ الإسرائيلية المتكررة على طهران. فبينما أضحى الغموض يكتنف مآلات برنامجها النووى، باتت بنيتها الاقتصادية على شفا الانهيار. فيما لا يفتأ الرئيس الأمريكى، ترامب، يجدد تعهده بحرمانها، إلى الأبد، وبأى ثمن، من القدرة على تصنيع أو امتلاك سلاح نووى. وفى المقلب الآخر، فجّر ذلك التصعيد الدرامى رغبة إيرانية محرقة فى امتلاك ذلك السلاح؛ توسلًا لاستعادة الردع المستدام فى مواجهة خصومها، وتجنب التعرض لهجمات جديدة مستقبلًا. وهنا يثور التساؤل بشأن إمكانية لجوء طهران إلى شراء قنابل نووية جاهزة، بمنأى عن الطرق الطويلة والمستعصية لتصنيعها محليًا.
عبر مسارين رئيسيين، يمكن لدولة تمتلك مستوى معقولًا من الإمكانات المالية والبنية التكنولوجية الحصول على السلاح النووى. يتجلى أولهما فى انتهاج السبل العلمية والتقنية الكفيلة بإنتاجه محليًا من خلال طريقتين: أولاهما تخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 90%، توطئة لتكوين الكعكة الصفراء اللازمة لتصنيع القنبلة. وثانيتهما استغلال الوقود المستهلك من مفاعلات البلوتونيوم لإنتاج مادة نووية صالحة للتسليح. فبينما يتطلب إنتاج قنبلة نووية واحدة 25 كجم من اليورانيوم عالى التخصيب، لا يحتاج الأمر ذاته سوى أقل من ثمانية كجم من البلوتونيوم، القابل لتحويل مساره وإعادة معالجته سرًا لأغراض عسكرية. ويؤكد العلماء امتلاك إيران كميات هائلة من البلوتونيوم المستخرج من الوقود المستهلك بمفاعل بوشهر. ومن المثير أن جولات التفاوض السابقة، كما اتفاق عام 2015، أو حتى الاتفاقات التى يجرى التفاوض لإبرامها حاليًا، تغفل التطرق لقضية مسار البلوتونيوم المحتمل نحو تصنيع الأسلحة النووية، عبر المطالبة بفرض حظر دائم ومحكم على إعادة معالجته داخل إيران. كما لا توجد توصيات باتخاذ تدابير رقابية صارمة قابلة للتنفيذ الفورى، كمثل إقدام روسيا على إزالة الوقود المستهلك المتراكم فى الموقع، وإخضاع بنية إنتاج البلوتونيوم الإيرانية لتفتيش دقيق ومتواصل. ورغم طلب الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشديد الرقابة على مفاعل بوشهر خلال إدارة أوباما، إلا أن الأخيرة لم تتحمس للفكرة، التى رفضتها طهران بشدة آنذاك. وبينما تعرضت منشأة «أراك» للماء الثقيل، والتى تحوى مخزونًا من البلوتونيوم، لقصف من قبل إسرائيل مرتين فى يونيو 2025 ومارس 2026، يعكس سعى طهران الحثيث إلى ترميمها حرصها البالغ على الاحتفاظ بهذا المسار البديل بغية امتلاك السلاح النووى. بيد أن هذا المسار البديل يصطدم بتحديات شتى، لعل أبرزها كون غالبية البلوتونيوم الموجود فى وقود بوشهر المستهلك من النوعية المستخدمة فى المفاعلات، وليس مؤهلًا لصنع القنبلة النووية. ومن ثم تحتاج إيران إلى الحصول، بشكل غير قانونى، على محطة تقنية كاملة لإعادة معالجة ذلك البلوتونيوم وتجهيزه، فضلًا عن معدات متطورة للتعامل مع الوقود النووى وتحويله كيميائيًا، وهو ما يتعذر بلوغه هذه الأيام.
أما المسار الثانى فيتمثل فى العزوف عن المضى فى المسار التقنى شبه المستحيل، وتبنى مخططات لشراء رءوس نووية جاهزة. وقد أسهم انهيار الاتحاد السوفييتى، بداية تسعينيات القرن الماضى، فى توفير ما عُرف حينها بـ«السوق السوداء النووية». إذ كشفت تقارير استخباراتية دولية، أكدت تسريبات موقع «ويكيليكس»، قيام جماعات مافيا ومسئولين عسكريين سوفييت سابقين بتقديم عروض لبعض الدول لشراء أسلحة ومواد نووية، بل وخبرات وعلماء نوويين من مخلفات الترسانة السوفيتية السابقة فى روسيا ودول سوفيتية سابقة. وتشمل: معدات تخصيب، ومكونات لإنتاج صواريخ نووية، ويورانيوم عالى التخصيب، وبلوتونيوم يمكن استخدامهما فى تصنيع قنبلة أو رأس صاروخى نووى. حتى إن الموساد الإسرائيلى قام بشراء غالبيتها من المافيا الروسية للحيلولة دون وصولها إلى الشرق الأوسط. فعلى وقع انهيار الاتحاد السوفيتى، كانت عشرات الأطنان من المواد والتجهيزات القابلة للاستخدام فى إنتاج القنابل النووية تقبع بمستودعات فى مواقع داخل جمهوريات سوفيتية سابقة، بغير حماية دقيقة، ما جعلها عرضة للسرقة أو الاتجار غير المشروع. وفى مقال بعنوان: «شركات ومنظمات تثير مخاوف الانتشار النووى»، كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية، نقلًا عن وثائق لجهاز الاستخبارات «إم آى 5»، عن قائمة تضم 360 شركة خاصة وجامعة ومنظمة حكومية، أغلبها فى منطقة الشرق الأوسط، تمتلك تكنولوجيا تمكنها من تصميم برامج لتصنيع قنابل نووية.
غير بعيد، أفادت تقارير غربية بتلقى الصين، فى تسعينيات القرن الماضى، طلبًا من الزعيم الليبى الراحل معمر القذافى لشراء قنبلة نووية صينية، لكن طلبه قوبل بالرفض. ونقلًا عن وثيقة مسربة لموقع «ويكيليكس» مؤرخة عام 2009، نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية عام 2010 تصريحًا للسفير المصرى لدى موسكو عام 1991، مفاده أن القاهرة رفضت عرضًا لشراء أسلحة نووية من السوق السوداء عقب انهيار الاتحاد السوفييتى، وأن العرض كان يتضمن شراء قنابل ومواد نووية واستضافة وإيواء علماء ذوى خبرة فى إنشاء وإدارة المفاعلات النووية. وبعد ساعات من قصف أمريكى على ثلاثة مواقع نووية إيرانية فى يونيو الماضى، أطلق دميترى ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن القومى الروسى، تحذيرات من إمكانية إقدام دول نووية على تزويد إيران برؤوس نووية جاهزة، الأمر الذى أثار الذعر من تجدد مخاطر الانتشار النووى عبر انتعاش التجارة غير المشروعة للمواد والمعدات والقنابل النووية.
لا تقل وسائل إيصال القنابل النووية أهمية عن حيازتها. فمن خلال ما يُعرف بالثالوث النووى، المتمثل فى الحاملات المجهزة لنقل وقذف تلك القنابل، تبرز الغواصات النووية أو الطائرات القاذفات الاستراتيجية، ثم الصواريخ الباليستية بعيدة المدى. ولا تمتلك إيران من ذلك الثالوث سوى النوع الأخير فقط. وحتى يتسنى لها بناء استراتيجية نووية متكاملة وذات مصداقية للردع والابتزاز الاستراتيجيين، يتعين عليها حيازة عدد معقول من الرءوس النووية الجاهزة التى يمكن تركيبها على صواريخها الباليستية قبل توجيهها. وفى هذا السياق، ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن إيران تواصلت مع العالم النووى الباكستانى عبد القدير خان فى مارس 2010 بهدف شراء رءوس نووية باكستانية جاهزة. وفى مارس الماضى، نقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» تحذيرًا للمسئول عن ملف عدم الانتشار النووى بالخارجية الأمريكية من سعى إيران الدؤوب لشراء مواد نووية متطورة من السوق السوداء لاستكمال مسيرتها لإنتاج السلاح النووى.
عديدة هى التحديات التى تعترض مسار شراء رءوس نووية جاهزة، حيث يتوافق أعضاء النادى النووى التسعة، بما فيهم أصدقاء إيران المقربون مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية، بشأن بقاء ناديهم حكرًا عليهم ومغلقًا لهم. كما تتنوع القيود الصارمة التى تُغل أيدى تلك الدول لجهة تزويد دول غير نووية، سواء بالتكنولوجيا النووية أو التسهيلات اللازمة لصناعة سلاح نووى أو حتى بيع القنابل والرءوس النووية الجاهزة. ومن ثم لا يمكن تداول تلك الأخيرة بشكل قانونى أو تجارى، حيث يُحظر الاتجار فيها بموجب القوانين والمعاهدات الدولية الهادفة إلى منع الانتشار النووى، لا سيما معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) لعام 1968، التى ألزمت الدول المالكة لهذه الأسلحة بالامتناع عن نقلها أو بيعها لأى دولة أخرى، وإلا تعرضت للعقوبات الأممية. ثم معاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW) لعام 2017، والتى جددت التشديد على حظر الاتجار بها أو تداولها. فعلاوة على الرغبة فى تفعيل جهود عدم الانتشار النووى تمهيدًا لبلوغ الهدف النهائى المتمثل فى إخلاء الكوكب منها نهائيًا، تعتبر المواثيق والمعاهدات الدولية هذه الأسلحة الفتاكة ملكًا سياديًا، يستعصى حيازته كما يحظر تداوله. وتأسيسًا على ذلك، من المفترض أن تخضع الرءوس النووية بحوزة الدول النووية التسع الحالية لرقابة مشددة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن الأممى. أما بخصوص السوق السوداء النووية التى ظهرت عقب تهاوى الاتحاد السوفيتى السابق، فتؤكد تقديرات استخباراتية رصينة أنها كانت مقتصرة فقط على بيع مواد أو وسائل يمكن استخدامها فى إنتاج القنبلة النووية، من دون أن تتضمن قنابل أو رءوسًا نووية جاهزة.
يصعب الجزم بأن القيود والمحاذير القانونية الرخوة يمكن أن تثنى إيران عن حلمها المزمن، أو تكبل رغبتها التى غدت ملحة اليوم أكثر من أى وقت مضى فى امتلاك السلاح النووى وأدوات إيصاله. فعلى وقع الهجمات الإسرائيلية والأمريكية المتتالية التى أذلتها ووضعتها تحت طائلة الاستباحة الاستراتيجية، بعدما نالت من كبريائها العسكرى وفضحت انكشافها الاستخباراتى والأمنى، سيتعاظم تشبثها بالخلاص النووى الذى تحسبه ملاذها الأخير والناجز لإنهاء تلك الاستباحة، وتقويض ذلك الانكشاف، وترسيخ الردع المستدام.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا