x قد يعجبك أيضا

خسة الكائن التى لا تُحتمل

الجمعة 13 فبراير 2026 - 6:20 م

هل كان على حق صاحب مقولة أن الإنسان كائن وغد؟ لا أدرى، ولكن ما أدريه أن قدرة الإنسان على اجتراح أساليب دنيئة لإيذاء الغير هى قدرة غير محدودة ولا يعيقها زمان أو مكان. فى فرنسا يخضع للمحاكمة حاليًا رجل اسمه كريستيان نيجر. هذا الرجل كان يعمل بوزارة الثقافة الفرنسية ذات السمعة الطيبة والتى ظلت مرتبطة دائمًا بأسماء كبيرة مثل أندريه مالرو المفكر والروائى الشهير.
شغل المتهم كريستيان نيجر وظيفة نائب رئيس الموارد البشرية فى الوزارة، وعلى هذا الأساس كان يعلن باستمرار عن وظائف خالية تحتاج إلى نساء لهن تطلعات ثقافية وفكرية، وبحكم منصبه كان يقوم بمقابلة المتقدمات بنفسه ويجرى لهن الاختبارات الخاصة بالوظائف. لم يكن الرجل متحرشًا تقليديًا وإنما كان صاحب أسلوب متفرد فى الانحراف النفسى والسلوكى. كان يرحب بالضيفة بمكتبه ويبدأ معها الدردشة ثم يدعوها إلى كوب من القهوة أو الشاى. لا توجد بالمكتب غلاية أو ماكينة قهوة لكن توجد فى الممر ماكينة بالعُملة كان يصطحب المرأة معه لتختار مشروبها بنفسها وتضغط على الزر ثم يقوم هو بتلقى الكوب، وقبل العودة إلى المكتب يتشاغل بالحديث مع أى أحد بينما تعود هى إلى مقعدها بمكتبه. يقدم لها المشروب فتبدأ فى ارتشافه وهى لا تدرى أنه وضع به مادة قوية مدرة للبول وهى مادة لا تباع بالصيدليات ولا بد أن أحدًا من أصحابه المنحرفين المشتغلين بالكيمياء قد حضّرها من أجله! قبل أن يبدأ المفعول فى الظهور يكون قد اقترح عليها استمرار الدردشة بشكل حر أثناء تمشية يدعوها إليها، ثم يأخذها فى الطرق المجاورة للوزارة ويسير معها فى حدائق التويلرى أو على نهر السين. أثناء المشى تأخذ المادة التى شربتها الضحية فى التفاعل. النساء اللاتى تعرضن لهذه التجربة وعددهن يزيد على المائتين صرّحن بأن الأعراض كانت تتباين من نهجان إلى تسارع فى ضربات القلب إلى دوخة، لكن بالنسبة لهن جميعًا كانت الكارثة هى فقدان السيطرة على المثانة والحاجة الحارقة إلى دخول الحمام. كل واحدة ممن تقدمن بشكاوى وشملهن التحقيق فى جرائم كريستيان نيجر كانت تحكى التجربة الصادمة التى لم تمر بها من قبل وهى وجودها بصحبة رجل فى الطريق مع حاجتها إلى الحمام فى أماكن ليس بها حمامات. من الواضح أن هذا المنحرف كان يستمتع بهذه اللحظات التى يرى فيها السيدة من هؤلاء وهى محتارة فى البداية كيف تخبره بالأمر وهى فى وسط إنترفيو يتوقف عليه توظيفها فى مكان تتمناه، وكيف أن توترها يعلو فتضطر إلى مصارحته بحاجتها للحمام. كان الوغد يتظاهر بمشاركتها الحيرة ثم يتلفت حوله قبل أن يشير إلى مكان تحت جسر أو بجوار شجرة ويأخذ يدها بسرعة إلى حيث تجد نفسها مضطرة للقرفصة والتبول فى الشارع كما لو كانت مشردة وهو يقف إلى جوارها متفرجًا. من النساء من خشيت وتحرجت من هذه الفعلة المخزية فكانت النتيجة أن ملابسها ابتلت والرجل يتابعها وهى تتبول على نفسها! كانت البداية فى كشف هذا المختل هى شكوى تقدم بها إلى الشرطة أحد زملائه عندما لمحه يقوم خلسة بتصوير ساقى إحدى النساء. اندهش الزميل الذى تقدم بالشكوى لأن السيقان المكشوفة هى منظر مألوف فى كل مكان بفرنسا نظرًا للفساتين والجيبات القصيرة التى لا تستدعى التوقف أمامها بحكم الاعتياد، ومن هنا فقد شك أن الميول المنحرفة هى التى تسوق هذا الرجل. وجدت الشرطة أثناء تفتيشها مكتبه سجلًا كاملًا بأسماء أكثر من مائتى امرأة مع وصف كامل لما حدث لكل واحدة مع تعليقه وملاحظاته على سلوكها. لم يكتف كريستيان نيجر بما يفعله وإنما أراد توثيقه حتى لا تختلط عليه الوجوه والأسماء وكأنه أحد العلماء يقوم بتجربة معملية ويدون الملاحظات عن الحالات التى يدرسها! اختلال نفسى كامل ومتعة منحرفة لا يستطيع الأسوياء فهمها. أما النساء فقد اجتررن مرارة التجربة وفقد البعض منهن الرغبة فى العمل والبعض الآخر لجأن للعلاج النفسى بعد أن تسبب المجرم لبعضهن فى الشعور بالدونية واحتقار الذات وفقدان الثقة فى النفس. فى البداية لم تتقدم أى من الضحايا بشكوى لأن كلا منهن كانت تظن أن الأمر عفوى وأن الأعراض التى مرت بها تخصها وحدها ولا علاقة للرجل بها، غير أن تحقيق الشرطة فى أمره هو الذى كشف الحقيقة وجعل الشكاوى تتوالى والقضايا تترى، وكان لتدخل نفر من المحامين والمحاميات أثره فى فضح الجريمة التى ظل كريستيان يرتكبها طوال تسع سنوات كاملة دون أن يفتضح أمره. من الضرورى أن القضاء سوف يقتص من المجرم وسوف يأخذ جزاءه، لكن هذه الحكاية ستفتح الباب لعلماء النفس وعلماء الاجتماع ليشرحوا لنا إذا كان السقوط النفسى البشرى له سقف أو له قاع. إن البعض قد يستهين بما حدث على اعتبار أن الرجل لم يغتصب أو يقتل أى فتاة فى زمن نسمع فيه عن جرائم كثيرة من هذا النوع، لكن التمعن فيما حدث يشير إلى جريمة مركبة وراءها نفس خبيثة استمتعت بمعاناة امرأة بريئة بعد أن وضعتها فى موقف يؤدى إلى كوكتيل من مشاعر الحرج والخزى والشعور بالعار، وهى مسألة تتجاوز الجنس إلى الرغبة فى السيطرة بعد أن يُفقد النساء كرامتهن وكبرياءهن وهما أحرص ما تعتز به الأنثى! وإذا كان ميلان كونديرا قد أتحفنا برواية «خفة الكائن التى لا تُحتمل» فهل يمكن أن توحى هذه الأحداث برواية جديدة عنوانها «وساخة الكائن التى لا تحتمل؟».

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة