هذا كاتب عظيم، ليس فقط لأنه يدين الحرب، ولكن أيضًا، وبالأساس، لأنه فنان وشاعر، لديه دومًا قدرة مدهشة على إيجاد معادل فنى لأفكاره، ولأنه يمتلك خيالًا ورؤية فيها الكثير من عناصر حداثة القرن العشرين.
ورغم أن سنوات إنتاجه لا تزيد عن العامين بعد عودته من الحرب العالمية الثانية، ورغم أنه كتب فقط ديوانًا للشعر، ومسرحية، ومجموعة قصصية، فإنه كان وسيظل من أهم الكتاب الألمان فى القرن العشرين.
فولفجانج بورشرت، الذى وُلِد فى عام 1921 وتوفّى فى سويسرا فى عام 1947، حكاية قصيرة مؤلمة؛ عرف مرارة الحرب على الجبهة الروسية، أصيب، واتهم بالهروب من الخدمة، حوكم ثم عاد إلى الحياة المدنية ليبدع أعماله القليلة.
كتبتُ من قبل عن مجموعته القصصية الفاتنة «سن الأسد» التى ترجمها سمير جريس، والآن أكتشف عبر ترجمة سمير جريس البارعة أيضًا، ومن خلال دار ممدوح عدوان ودار سرد، مسرحية «فى العراء أمام الباب» لنفس المؤلف الفذّ، وحول نفس الموضوع: إدانة الحروب المدمّرة.
لكننا نظلم المسرحية إذا جعلنا من موضوعها لافتة وعنوانًا، إذ لا بديل عن قراءتها وتأمل بنائها الفنى والتقنى والحداثى. وأعنى بذلك أن المسألة ليست فى المضمون، الذى يمكن أن تكتبه فى مقال أو تراه مرفوعًا على لافتة يحملها الآلاف فى مظاهرات ضد الحرب، ولكنها فى ذلك المعادل الفنى الذى ينقل للقارئ صورة مرعبة بمزيج غريب بين تفاصيل واقعية ومشاهد رمزية وسيريالية، وبلغة شاعرية أيضًا، ولا يتأتى ذلك إلا لكاتب كبير ناضج الحرفة والأدوات.
ليس لدينا هذا البناء الكلاسيكى للمسرحية، وإنما عدة مشاهد تترجم رحلة الرقيب بيكمان، العائد من سيبريا بعد الحرب مثقلًا بمسئوليته عن موت أحد عشر جنديًا من فرقة الاستطلاع، ولكنه يواجه كوارث أخرى فى بلدته الألمانية، حيث يكتشف موت ابنه بقنبلة، وانتحار والديه، وارتباط زوجته بعشيق، وعندما يحاول أن يبدأ من جديد بتأليف مسرحية عن مأساته، يرفض مدير المسرح فكرته، لأن الناس تكره مواجهة الحقيقة.
تلك حدود مسار الرحلة بشكل مبسّط، ولكن البناء الذى يأخذ من الواقع والتجريد معًا، يبدو كما لو كان مونولوجًا، رغم وجود شخصيات يقابلها بيكمان طوال الوقت. هذه الشخصيات بعضها يحمل أسماء مثل مدام كرامر، الساكنة الجديدة بدلًا من والدى بيكمان المنتحرين، وبعضها يحمل اسم مهنة أو معنى مجردًا مثل: الفتاة، والجنرال، والموت، والشيخ، والكنّاس، والآخر.
تلك النماذج العابرة تمنح بيكمان الفرصة لكى يصرخ ويعبّر ويحكى عن كوابيسه، أو تلقى أضواء على ماضيه فى الحرب، أو تتيح له أن يحاكم الجميع، وأولهم ذاته المتألمة، كما أن كل لقاء مع شخصية يقود بيكمان من جديد إلى إغلاق الباب خلفه، والعودة إلى العراء، حيث البرد والوحدة.
تنحصر رغبة بيكمان الوحيدة فى الموت، وحتى هذا الموت لن يحصل عليه، لأنه عندما ألقى بنفسه فى النهر، ولو على مستوى الحلم، لفظه النهر إلى الشاطئ وأعاده إلى العراء. إنها من جديد مأساة الحرب، ولكن بعد أن انعكست على ذات قلقة، وحساسة، ويائسة.
لسنا الآن فى ساحة المعركة التى انتهت، ولكن بيكمان ما زال يعيش أسير مشاهدها، ودمائها، وأشلائها، ورغم أنه حى، فإنه يحمل بصمة الحرب فى صورة ساقه العرجاء، وفى شكل نظارة قناع الغاز التى استخدمها فى الحرب، ولا يستطيع الاستغناء عنها، مع إحساس هائل بالذنب ورغبة فى إلقاء المسئولية عن كاهله.
شخصية «الآخر» تطلب منه أن يستأنف الحياة، وأن يبدأ من جديد مع الفتاة التى منحته بالطو زوجها المفقود فى روسيا، ولكن الزوج يحضر بساق واحدة، ويدين بيكمان، لأنه سيحل محله مع زوجته، ويقول الزوج لبيكمان إنه سيفعل بذلك ما فعله عشيق زوجته أثناء غيابه.
ألف يوم عاشها بيكمان فى الحرب، ثلاث سنوات مؤلمة، جعلت الكوابيس تطارده، وخلقت منه شخصًا لا يصلح للحياة، لا يستطيع أن يتصالح مع نفسه مثل الجنرال، ولا يمكنه أن يتسامح مع الذين دفعوه للحرب، ولا ينجح فى الحصول على الهدوء والسكينة والنوم.
سيبقى بيكمان هائمًا كالشبح، يستحضر الصقيع والبرد، ويرى القتلى فى طرقات الشوارع، سيظل عالقًا فى الزمان، وفى المكان، وفى الذاكرة.
لا أتذكر أننى قرأتُ رؤية كابوسية للحرب على هذا النحو القوى والمؤثر، براعتها ليست فقط فيما نعرفه من وصف وحشية ما يحدث فى المعركة عبر أحلام بيكمان، ولكن فى استخدام كثافة الشعر والصورة والموسيقى، وفى تحويل جندى إلى ذات إنسانية قلقة ومعذبة، وفى بناء عالم كابوسى كامل فى قلب الحياة المدنية.
لدينا نهر ولكنه كريه الرائحة، يقصده المنتحرون، ولدينا طرقات مليئة بالموتى، وأنوار شحيحة، وفتاة جميلة ولكن شبح زوجها مبتور الساق حاضر وعملاق، ولدينا شيخ ولكن أحدًا لا يؤمن به. هناك أيضًا استخدام لتقنية التحوّل والتغيّر، فالموت يبدو فى هيئة صاحب مكتب لدفن الموتى، ثم فى هيئة جنرال، ثم فى شكل كنّاس يكنس النفايات والقمامة.
أما الحلم الأطول والمحورى فهو لوحة سيريالية مرعبة: آلة إكسيليفون عملاقة من عظام الموتى، يعزف عليها جنرال بدين، يتعرّق بالدماء، ويعزف ببطء نشيدًا عن الرفاق، فتخرج جثثهم من كل مكان، ويصبح نشيد المجد نشيدًا للموت وللأشلاء.
يمكننا أن نصف رؤية بورشرت بأنها «تعبيرية» فى جوهرها، لأنها ليست سوى صوت بيكمان ونظرته الداخلية للعالم، ولأن «الأشياء» لها معنى الرموز.
لا توجد ديكورات واقعية، فقط باب ومائدة، وصرير الباب أساسى فى الدخول والخروج. بيكمان هو اسم العائلة، وليس اسم الشخص، وهو يكره هذا الاسم، لأن الموتى ينادونه به، وقد ظل يراه مجرد اسم، مثل كلمة «مائدة».
جَحيمٌ أرضى، وسماءٌ صامتة وعاجزة، وموتى فى المعركة، وميت على قيد الحياة.
هذه «الملحمة» المذهلة تستحق أن نراها عرضا مسرحيا.