(1)
ما أسرع مرور الأيام والأعوام!
لا أتصور أن عشر سنوات كاملة مضت على رحيل الكاتب والصحفى المصرى والعربى الأشهر محمد حسنين هيكل (توفى فى فبراير 2016)، ورغم ذلك فما زال حضوره وتراثه وأثره الصحفى والفكرى يشغل الناس، ويجتذب المهتمين والباحثين والمتخصصين على السواء.. من يراجع أعماله وكتبه فى نشرتها الممتازة عن (دار الشروق) سيكتشف حضورًا وألقًا لم يخبا رغم مرور كل هذه السنوات! كأن الرجل يحيا بين ظهرانينا، يقرأ الأحداث ويحللها ويستنطق المسكوت عنه، ويقرأ ما بين السطور، ويستشرف مآلات المواقف والتوجهات والسياسات، ويفكك خيوط نظريات المؤامرة، ويعرض ما خفى من الخرائط المعاد رسمها والمرغوب فى تشكيلها، خصوصًا ما بعد أحداث سبتمبر 2001.
أتوقف كثيرًا أمام كتابه «زيارة جديدة للتاريخ» الذى أتصور أنه كتاب استشرافى من الدرجة الأولى الممتازة؛ رغم صدور طبعته الأولى منذ عقود طويلة؛ فإنك تقرأ السطور وما بينها كأننا نتحدث عما يدور فى هذا العالم المجنون فى السنوات العشر الأخيرة!
(2)
سألنى مرة صحفى شاب: ماذا ترشح من كتب الأستاذ هيكل كى أبدأ به؟
فأجبته حينها: دعنى ابتداءً أؤكد أن كل كتب الأستاذ هيكل، بلا استثناء، قيمة وممتعة، وتستحق القراءة.. لكنى سأجتهد فى اختيار ما أتصور أنه يمثل مدخلًا مناسبًا لما كتب فى القرن الأخير؛ لكن دائمًا هناك نقطة بداية ضرورية ولازمة، خاصة لمن يستهل مشواره الصحفى ورحلته مع الكتابة الصحفية، وفى ظنى فإن الانفجار المعرفى وسيولة المعلومات وثورة الاتصالات، بدلًا من أن تكون ميزة كبرى أمام المقبلين على أى مجال عملى، فإن ذلك صار محيطًا من الرمال الناعمة يبتلع كل من لم يؤهل نفسه جيدًا للإبحار فى هذا العالم السائل شديد السيولة.
لذا فقد اخترت من بين مكتبة الأستاذ العامرة الفياضة ما يمثل «البداية» لقارئ شاب، أو صحفى فى مستهل الطريق، كى تكون نقطة الانطلاق فى مشواره الموفق بإذن الله، وهو كتاب «اليوميات» الذى أعاد قطاع الثقافة والنشر بمؤسسة أخبار اليوم المصرية نشره فى ذكرى رحيله الرابعة (قبل ستة أعوام)؛ مجلد ضخم يقترب من الألف صفحة، يضم «اليوميات» التى كان يكتبها الأستاذ هيكل خلال الفترة من عام 1955 حتى عام 1957.
(3)
رغم ضخامة الكتاب وعدد صفحاته اللافت، فإنه ممتع وسلس للدرجة التى سيدهش منها قارئ الكتاب حينما يجد نفسه قد أنجز قراءته كاملًا فى ليلة أو اثنتين أو ثلاث ليالٍ على الأكثر؛ شغوفًا ومستمتعًا بأسلوب هيكل الذى لا يُبارى جمالًا وأناقةً وسلاسةً من الصعب تقليدها!
ولعل ذلك، فضلًا على اتساع نطاق الرؤية لديه، كان يعود إلى الموهبة الذاتية والخبرة والاطلاع على تجارب الصحافة الغربية المتقدمة، واحتكاكه المباشر بعدد من كبار الصحفيين العالميين (كان هيكل يلح دائمًا على أثر الثلاثة الأهم فى حياته ومسيرته الصحفية، وأصحاب الفضل فيما تعلمه فى بداياته: العقلانية من هارولد إيرل رئيس تحرير «الجازيت»، والرومانسية من سكوت واطسون سكرتير تحريرها، وحلاوة الأسلوب وسلاسته من رائد الصحافة المصرية محمد التابعى).
لقد كان ثمة إجماع على أن ثقافة هيكل الأدبية والتاريخية والفكرية «مذهلة»، وأنه كان قارئًا نهمًا (وبالمناسبة فقد حاول نظم الشعر شابًا)، لكنه قنع فى النهاية بالانخراط بكامله فى الكتابة السياسية، لكنه ظل على حاله ماكينة قراءة نشطة بلا انقطاع.
(4)
فى «اليوميات» يجافى هيكل السياسة، إلا قليلًا، ويظهر هيكل المثقف البارع والعاشق للفن والفنون والكتابة المبدعة، هذا الوجه الذى ظل متواريًا خلف نجاحات هيكل الصحفى والمؤرخ ومدير المؤسسات العملاقة ورجل السياسة الدولية.
تتميز «اليوميات» بتنوع موضوعاتها بين الأدب والفن مع قليل من السياسة (بتعبير محرر الكتاب)؛ أى أنها تقدم لنا وجهًا آخر من وجوهه، بعيدًا عن السياسة: المثقف العارف بأسرار الفنون وأدوات الفنان، التى لم يتخلَ عنها حتى، وهو يكتب أعقد الموضوعات السياسية، وهى الصفة التى اكتسبها من بداياته ككاتب يطمح لنظم الشعر وكتابة القصة القصيرة، وربما الرواية فيما بعد (كان نجيب محفوظ يقول إن هيكل روائى من طراز فريد ضل طريقه إلى الصحافة).
فى هذه اليوميات سيتبدى لقارئها ما قام به هيكل مهنيًا وأسلوبيًا وتحريريًا بشكل عملى، وقبل بروزها كالشمس فى فترة تألقه وازدهاره فى (الأهرام) عبر مساحته الأشهر «بصراحة»؛ لقد ارتفع هيكل بفن الممارسة الصحفية إلى مستوى الفعل الثقافى، وحرص على أن ينأى بالصحافة عن أساليب الابتذال السياسى والمهنى.
وبينما نجح هيكل فى أن يجعل الصحافة مدخلًا وهدفًا نبيلًا للثقافة السياسية، فقد بقى إنتاج المعرفة لديه، من خلال تقديم قراءة نظرية للممارسة السياسية، أو عن طريق استباق القرار السياسى، أو تحليله وتبريره فى ضوء الضرورات والظروف الواقعية والمعلومات التى يجهلها أو يحجبها صانع القرار أحيانًا لأى دوافع أو مبررات ضرورية كانت، هو شغله الشاغل، وهمه الأول، وموطن تميزه، ومجال تفوقه، بحيث أصبحت حاجة صانع القرار إليه أكثر وأشد من حاجته، كصحفى، إلى صانع القرار!