أعمدة الأمة الأربعة

السبت 14 فبراير 2026 - 6:55 م

عبد الحسين شعبان


تعيش فى مشرقنا أربع أمم، هى الترك والفرس والكرد والعرب، وقد أغنى وجود هذا التنوع القومى، إضافة إلى التنوع الدينى واللغوى، الحياة فى الشرق، سواء على الصعيد الثقافى أم الاقتصادى أم الاجتماعى.


وعلى العموم تتسم المجتمعات البشرية بالتنوع والتعددية الثقافية التى تعكس خصوصياتها وهويتها الوطنية. وكلما تفاعلت حضارة ما مع الحضارات الأخرى بانفتاحها عليها، زادت من تأثيرها واتساع نطاقها، وهكذا كانت الحضارة الإسلامية تضم تراثا عريقا لثقافات مختلفة وأتباع ديانات وإثنيات متنوعة، عاش بعضها مع بعض فى إطار مشتركات إنسانية لذلك الزمان.


لكن مثل تلك الحالات التى أسهمت فى تعزيز القيم المشتركة والمثل الإنسانية، تراجعت على نحو كبير بفعل هيمنة التعصب ووليدة التطرف ونتاجهما العنف والإرهاب. وقد حصل مثل هذا التراجع السريع فى ما أطلق عليه «الفترة المظلمة» بسقوط بغداد بعد هجوم التتار على مقر الخلافة العباسية وانهيار الدولة فى عام 656ه - 1258م، واستمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، مع ظهور محاولات للإصلاح والنهوض على أيدى مصلحين كبار مثل جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبى ورفاعة الطهطاوى وخير الدين التونسى وحسين النائينى وغيرهم.


وإذا كانت ثمة تجاوزات وانتهاكات لحقوق المجموعات الثقافية الدينية والإثنية والسلالية واللغوية فى فترات سابقة، إلا أنها لم تصل إلى درجة الإقصاء أو الإلغاء، وإن وجدت بعض الحالات، لكنها على العموم ظلت محدودة، فى حين أن التحديات التى تمر بها دول المشرق اليوم وشعوبه وأممه فى ظل المشروع الإسرائيلى الإحلالى الإجلائى التوسعى كبيرة جدا وغير مسبوقة، وهو ما ظهر على نحو سافر بعد عملية «طوفان الأقصى» فى 7 أكتوبر 2023، حيث تعرضت غزة إلى حرب إبادة شاملة، وكذلك شهدت مناطق الضفة الغربية انتهاكات صارخة لأبسط حقوق الإنسان.


لعل هذه التحديات تستوجب فتح حوار جاد ومسئول بين «أعمدة الأمة الأربعة» بحسب تسمية سمو الأمير الحسن بن طلال، وهو المشروع الذى دعونا له منذ أكثر من ربع قرن من الزمن، والمقصود بذلك حوار بين المجموعات الثقافية الأساسية المكونة لدول الإقليم فى مواجهة التعصب بمختلف أشكاله الدينية أو القومية أو اللغوية أو غيرها، تلك التى تريد إملاء الإرادة على الآخر بزعم امتلاك الحقيقة أو ادعاء الأفضليات.


إسرائيل الكبرى بصوت عال


وقد كانت تلك الذرائع وراء اندلاع الموجة الطائفية فى العراق، ولاسيما فى سنوات ما بعد الاحتلال الأمريكى، والتى راح ضحيتها عشرات الآلاف من العراقيين، وهى ذاتها التى كانت وراء تغول الميليشيات واستقوائها على الدولة.


وفى الواقع حين يغيب الحوار، يتقدم العنف ويتهدد السلام بين دول الإقليم، ناهيك بالسلام المجتمعى؛ ولعل أحداث السويداء السورية الأخيرة وانفجار موجة العنف الدينى والطائفى خير دليل على ذلك، وقد سبقتها أحداث الساحل المأسوية، والتى انتقلت إلى حمص وجرمانة لاحقا، وصولا إلى السويداء «ممر داوود»، بحسب الادعاءات التوراتية القديمة/ الجديدة.


والأخير هو مشروع إسرائيلى يستمد جذوره من العقيدة الصهيونية التى تقوم على إقامة «إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات، تلك التى أصبح الحديث عنها مسموعا وبصوت عال فى الفترة الأخيرة بفعل اختلال موازين القوى بين العرب وإسرائيل، وغياب الحوار العقلانى السلمى بين دول الإقليم وشعوبه.


ويستهدف «ممر داوود»، بعد وضع اليد على الجولان وجبل الشيخ والقنيطرة ودرعا وحوران، الوصول إلى السويداء فى اتجاه منطقة التنف، حيث القاعدة الأمريكية المهمة على الحدود السورية - العراقية - الأردنية، ومنها إلى كردستان فى الأراضى العراقية، والهدف هو تقليل الاعتماد على قناة السويس وتقويض طريق الحزام والحرير الصينى وفتح المجال أمام مرور البضائع عبر إسرائيل برا وبحرا، ولاسيما باستكمال ذلك عبر الطريق الهندى - الأوروبى، بحيث تكون إسرائيل مرتكزا ونقطة انطلاق مركزية بين دول الإقليم التى يراد تفكيكها وتفتيتها، بحيث تتوزع على كانتونات طائفية ومذهبية وإثنية يمكن قيادتها عبر أقلية إسرائيلية متقدمة علميا وتكنولوجيا وعسكريا واقتصاديا.


بعدما كان العرب القومية الأكبر الممتدة من المحيط إلى الخليج، إذا بهم يتحولون إلى دول وأقاليم تضم بين ظهرانيها شعوبا وأمما تتطلع هى الأخرى إلى الاستقلال وحق تقرير المصير، بخاصة فى ظل غياب المواطنة المتكافئة والمتساوية والاعتراف بالحق فى الشراكة داخل الوطن الواحد والمشاركة فى اتخاذ القرار.


وهكذا كان تحدى الهويات القومية - الإثنية داخل كل بلد عربى، لا سيما العراق وسوريا من دول المشرق، فضلا عن تركيا وإيران من دول الجوار، وأصبحت هويات فرعية تسعى لبناء هوية خاصة بها ومستقلة بحكم تاريخها وثقافتها ولغتها وخصوصيتها واختلافها.


وفى النسيج المجتمعى الذى بدا متماسكا، كانت ثمة توترات تظهر وتخبو، وبعضها يتخذ شكل نزاعات مسلحة، وخصوصا فى ظل غياب الحوار أو عدم جديته وعدم الاعتراف بالشراكة والحق فى المشاركة، والأمر يعود إلى ضعف خطاب المواطنة والتعويض عنه بخطاب السرديات الكبرى والشعارات المفخمة ذات الرنين الثورى العالى، فاليسار والماركسيون كانوا يدعون إلى الاشتراكية التى يمكنها حل التناقضات الثانوية. أما القوميون أو التيارات العروبية، فكانت تدعو إلى الوحدة الفورية لتحرير فلسطين، وعندها يمكن تحقيق طموح المواطن فى حياة حرة كريمة، والإسلاميون لطالما تشبثوا بمقولتهم: «إن الإسلام هو الحل»، لكنهم أوصلونا مؤخرا، بخاصة فى الفترة التى سنحت لهم التطورات خلالها بالسيطرة على السلطة، إلى استبداد دينى شديد الضراوة.


الوعى بالهوية فى دول الإقليم


وهكذا ضاعت حلقة مركزية كان فقدانها أحد أسباب تراجع الوضع العربى من جهة، والوضع فى دول الإقليم من جهة أخرى، وأعنى بذلك المواطنة التى تعتمد على أركان أربعة؛ أولها - الحرية؛ وثانيها - المساواة؛ وثالثها - العدالة؛ ورابعها - الشراكة والمشاركة. وهذه الأركان متداخلة ومترابطة ومتشاكلة، وهى أساس تقدم الدول العصرية فى ظل حكم القانون والمشروعية القانونية، التى من دونها لا يمكن الحديث عن الشرعية السياسية التى تعنى رضا الناس وتحقيق منجز لهم على مختلف الصعد.


إن القدرة على إدارة حوار حضارى مفتوح بين دول الإقليم وشعوبه، ولاسيما بين مثقفيه، يمكن أن يوفر أرضية مناسبة للقاء والتعاون على أساس احترام الخصوصيات والاعتراف بالآخر وقبول التنوع والحق فى الاختلاف، وذلك على صعيد كل بلد وعلى صعيد دول الإقليم.


وباستثناء الكرد، فإن القوميات الأخرى، العرب والترك والفرس لها دولها، لكن ذلك لا يمنع من مد أسس الحوار ليشمل كيانا إقليميا معترفا به دستوريا، فى إطار الدولة العراقية، ويمثل قومية من قوميات دول المنطقة وأممها وشعوبها، ويمكن أن يكون عامل استقرار وسلام واستثمار لدول الإقليم التى يوجد فيها الكرد كأحد المكونات الأساسية منها، كما هى تركيا وإيران والعراق وسوريا.


ولعل الوعى بالهوية يمكن أن يقرب شعوب ودول الإقليم، وخصوصا حين يتم الارتكاز على أسس حقوقية وقانونية وفقا للتنوع والعيش المشترك، بما يرسم ملامح علاقات جديدة بين أمم الإقليم وشعوبه، وخصوصا إذا تمكنت من التعامل وفقا لمصالحها الوطنية وبعيدا عن الإملاءات الخارجية والتدخلات الأجنبية التى لا تضمر الود لدول الإقليم.


وإذا كانت نظرية «صدام الحضارات» قد برزت على يد صاموئيل هنتنغتون فى مطلع تسعينيات القرن الماضى، استكمالا لنظرية «نهاية التاريخ» التى بشر بها فرنسيس فوكوياما فى نهاية ثمانينياته، فإن الهدف من ذلك هو إملاء الإرادة على أمم المنطقة وشعوبها ودفعها إلى الاحتراب فى ما بينها؛ وما استمرار الحرب العراقية - الإيرانية لثمانى سنوات بالكمال والتمام، إلا خير دليل على ذلك. والأمر ذاته ينسحب على استمرار الاحتراب الداخلى السورى لنحو 13 عاما، وكأنه لا يعنى أحدا، بل ثمة من كان يغذيه لتمزيق النسيج الوطنى، الذى ظل يتآكل حتى شهدنا مؤخرا الإجرام المنقطع النظير بين إرهابيين وغلاة متعصبين وتدخلات إسرائيلية وقوى خارجية مريبة.


إن الموقع الاستراتيجى والجيوسياسى لدول الإقليم المشرقى، فضلا عن تاريخه والديانات الثلاث التى انطلقت منه ومن عالمنا العربى بشكل خاص، وأعنى بذلك اليهودية والمسيحية والإسلام ينبغى أن تتحول إلى عناصر إيجابية تصب فى المشروع النهضوى لدول الإقليم على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة واحترام حق تقرير المصير وعدم التدخل بالشئون الداخلية وإنماء روح التعاون الثقافى والاقتصادى والاجتماعى بين دوله ومجتمعاته.


والحوار بين دول الإقليم وأممه وشعوبه يستوجب أيضا وبالترافق معه البحث عن حلول سلمية لمشكلاته وإشكالياته، وفى مقدمة ذلك، إيجاد حل عادل ومقبول للقضية الفلسطينية، بإقامة الدولة الوطنية على التراب الوطنى الفلسطينى طبقا لمبدأ حق تقرير المصير، وبالطبع التأكيد على رمزية القدس كعاصمة لدولة فلسطين القابلة للحياة.


الثقافة هى التى تمثل الوعاء لإعلان أن مثل هذا الحوار ضرورى للبحث عن المشتركات والابتعاد عن المفترقات، وكما يقال «تعظيم الجوامع» و«تقليص الفوارق واحترامها». والحوار يعنى الحفاظ على التمايز والخصوصية، وهو السبيل لضمان تقدم أعمدة الأمة الأربعة وما تحمله من ثقل تاريخى وعمق ثقافى، على الرغم من المرارات التى لا تخلو منها أية علاقات بين مكونات أى منطقة أو أى شعب.


مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:
https://bitly.cx/fE8jB

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة