البحث عن فضيحة
السبت 14 فبراير 2026 - 6:55 م
عادة الفضائح ذات البعد السياسى يتم توظيفها لأهداف استراتيجية، سواء بتشويه سمعة الخصوم والنيل منهم أو التأثير على الرأى العام وأحيانًا تغيير المشهد الانتخابى. وهو ما ينطبق على قضية إبستين التى نتابعها باهتمام منذ أن أفرجت وزارة العدل الأمريكية فى 30 يناير الماضى عن ملفات كانت مخزنة على حاسوب رجل الأعمال المدان بالاتجار الجنسى والذى مات منتحرًا فى زنزانته عام 2019. وكانت إدارة ترامب قد واجهت ضغوطا متزايدة للكشف عن هذه الوثائق التى يصل عددها إلى ثلاثة ملايين، بالإضافة إلى ألفى مقطع فيديو و180 ألف صورة، بعضها مموه وبعضها ظلت تفاصيله واضحة صريحة. حب الاستطلاع دفع بالطبع العديد من الناس حول العالم نحو مطالعة هذه الوثائق للتعرف على شخصيات المتورطين وجميعهم من الساسة والأثرياء وأصحاب النفوذ، فهى تشكل مادة خصبة للنميمة والثرثرة والإلهاء.
توقفت كثيرًا عند بعض ملابسات الموضوع، وأولها كان الطابع العالمى للفضيحة، فبحكم التقدم التكنولوجى ووسائل التواصل الحديثة انتشرت أخبار جيفرى إبستين وأصحابه كالنار فى الهشيم، بعكس الفضائح السياسية القديمة التى كانت تظل حكرًا على دول أو مناطق بعينها. يذكر المتخصصون بهذا الصدد أن الجرائم هى أسرع تجليات العولمة، ويظهر ذلك من خلال شبكات الاتجار بالبشر وتهريب السلاح والمخدرات، فهى متشعبة وتمثل الوجه القبيح للعولمة. لذا نرى أن المتورطين فى القضية ينتمون إلى بلدان مختلفة، مثلما المتابعين للفضيحة الذين يمكنهم الاطلاع على الملفات بكل حرية.
• • •
الأمر الثانى الذى لفت انتباهى هو كيفية استخدام كل الأطراف لنظرية المؤامرة، فصرنا لا ندرى من نصب فخًا للآخر ومن سيخرج من الأزمة رابحًا.. لا تزال الشكوك تدور حول ظروف مقتل إبستين نفسه فى محبسه، إذ يقول البعض إن الإصابات التى وجدوها فى جسده لا تتناسب مع وضعية شخص اختار الموت شنقًا، وأشار آخرون إلى غياب الحرس وتعطيل الكاميرات بما يدفع إلى ترجيح احتمالية الاغتيال المدبر أو الاختفاء الغامض. وعلى الأغلب لن نستطيع حل هذا اللغز. كذلك يصور بعض المراقبين ترامب وكأنه سيخرج منتصرًا لأن إبستين كان داعمًا للحزب الديمقراطى، وورد فى الملفات أن بيل كلينتون على سبيل المثال زار الجزيرة أكثر من 26 مرة، كما ضمت شبكة الملياردير المنتحر عددًا من الاشتراكيين كجاك لانج، وزير الثقافة الفرنسى الأسبق الذى اضطر إلى الاستقالة من رئاسة معهد العالم العربى بباريس. وبالتالى نجح ترامب ومعسكره فى تشويه الخصوم، وفى تحويل الأنظار عما يحدث فى البيت الأبيض وعن أزمة الديون الضخمة. وحتى مع تورطه شخصيًا فى الملفات إلا أننا لم نر صوره بوضوح وهو يكرر دوما أنه بالفعل كان على علاقة بإبستين منذ الثمانينيات، لكنها انقطعت منذ منتصف الألفية الثالثة، ولا يُتوقع أن يتم تقديم المترددين على الجزيرة للمحاكمة، فقط سيُطلب البعض للشهادة، والغرض المعلن من الإفراج عن الملفات هو إطلاع الرأى العام ونشر المعلومات.
على النقيض، تؤيد مجموعة أخرى فكرة أن ترامب لم يستطع رفض الإفراج عن الملفات بعد أن وعد بذلك خلال حملته الانتخابية التى ركز خلالها على الشفافية ومحاربة فساد النخب، وبالتالى كان من صعب ألا يوقع على مشروع قانون «شفافية ملفات إبستين» الذى مرره الكونجرس بأغلبية ساحقة، ويُلزم القانون وزارة العدل بالإفراج عن السجلات المتعلقة بالقضية خلال 30 يومًا من توقيع الرئيس. لأنه إذا رفض سيظهر كما لو أن لديه ما يخفيه ويخشى الكشف عنه، خاصة أن منافسيه من الديمقراطيين حاولوا اللعب على الانقسام الذى ظهر بين صفوف فريقه من الجمهوريين تجاه القضية. ويظن أصحاب هذا الرأى أن سهام الفضيحة ستطاله بشكل أو بآخر لأن قاعدته الانتخابية وأنصار حركة ماجا، الذين يؤمنون بشعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا»، وينتمى الكثير منهم إلى البسطاء سيتعاطفون دون شك مع أمثالهم من ضحايا قضية أبستين، ويصل عددهم إلى 1000 قاصر أو شباب صغير السن، ما سينعكس على شعبية الرئيس المنتمى إلى النخب «المدانة»، فهناك المزيد من الأسماء والتفاصيل سيتم الكشف عنها قريبًا من خلال نحو 2 مليون وثيقة قيد الإفراج، أى أن مسلسل الفضائح لن ينتهى وأغلبها فضائح مرتبطة بالتحرش والاتجار بالجنس تتنافى مع منظومة القيم الأمريكية، فمعايير الفضيحة ومدى تقبل الرأى العام لها يختلف بحسب المجتمعات وتاريخها.
• • •
نجد أنفسنا أمام شريط سينمائى ملىء بالمنعطفات والحبكات الدرامية والتحولات المباغتة، يصلح له عنوان فيلم عادل إمام الشهير «البحث عن فضيحة»، هى فضيحة تشبه العصر الذى نعيش فيه بنخبه وخصائصه وجرائمه، ونحن نتابع ضمن جمهور المشاهدين وكأن أحدهم دخل غرفة مظلمة أو مخزن معتم، وأضاء عودًا من الكبريت فبدأت أمور كثيرة تتضح والبقية تأتى.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا