x قد يعجبك أيضا

حين يتغيّر المركز وتضيع البوصلة

السبت 14 فبراير 2026 - 6:55 م

لم يكن المشهد فى ساحة مدينة دريسدن قبل أسابيع مجرد مظاهرة سياسية عابرة. شاهدت سيدة سبعينية تقف وسط الحشود حاملة لافتة صغيرة كتبت عليها: «لا أريد أن أعيش هذا الخوف مرة أخرى». اقترب منها أحد الصحفيين وسألها عما تقصد، فأجابت بغضب: «عشت شبابى فى ظل نظام لا يسمح بالاختلاف.. واليوم أشعر بأن التاريخ يستيقظ مرة أخرى». هذه الجملة البسيطة لامرأة لا تنتمى إلى أى حزب تختصر القلق العميق الذى يخيّم على جزء كبير من المجتمع الألمانى مع صعود حزب البديل من أجل ألمانيا.


عاد الجدل حول حزب البديل إلى الواجهة مع تجدد النقاش حول خطاب «إعادة الترحيل»، بعد أن أعادت وسائل الإعلام تسليط الضوء على الاجتماع السرى الذى ناقش ترحيل فئات واسعة من السكان، بما فى ذلك مجنّسون.


هذا التذكير فجّر موجة جديدة من القلق العام، خاصة مع استمرار صعود الحزب فى استطلاعات الرأى، وتزامن ذلك مع مظاهرات واسعة ضد اليمين المتطرف، أعادت إبراز عمق الاستقطاب داخل المجتمع الألمانى، وجعلت النقاش حول حدود الديمقراطية الدفاعية يعود بقوة إلى صدارة المشهد السياسى. والديمقراطية الدفاعية هى مبدأ دستورى يتيح للدولة حماية نفسها من القوى التى قد تستغل أدواتها لتقويضها.


فحزب البديل، الذى بدأ قبل عقد كحركة احتجاجية ضد اليورو، تحوّل تدريجيًا إلى قوة يمينية قومية تستثمر فى الخوف والغضب والقلق من التغيير. توسّع نفوذه فى المناطق التى تشعر بالتهميش، ونجح فى تقديم نفسه كصوت "الناس العاديين" ضد النخب السياسية. ومع كل أزمة - من الهجرة إلى التضخم جراء ارتفاع الأسعار عقب حرب أوكرانيا - كان يجد أرضًا خصبة لنمو خطابه. هذا الصعود المتسارع وضع الدولة أمام سؤال صعب: كيف تتعامل الديمقراطية مع حزب يتحدى قيمها الأساسية؟ ورغم أن المؤسسات الرسمية لم تتخذ حتى الآن أى خطوة قانونية لحظر الحزب، فإن القلق واضح، خاصة بعد تصنيف بعض فروعه كـ«يمين متطرف مؤكد». لكن الحظر فى ألمانيا ليس قرارًا إداريًا بسيطًا بل مسارًا دستوريًا معقدًا يتطلب أدلة قاطعة على أن الحزب يسعى فعليًا لتقويض النظام الديمقراطى، لا مجرد أنه يحمل خطابًا متشددًا.


• • •
فى مقابل هذا التردد الرسمى، يتحرك الشارع بوتيرة مختلفة. يخرج مئات الآلاف أسبوعيًا فى مظاهرات ضخمة، ليس دفاعًا عن حزب أو ضد آخر، بل دفاعًا عن إحساسهم بالأمان الأخلاقى والتاريخى. كثيرون يخشون أن تتكرر أخطاء الماضى، وأن تتحول الديمقراطية إلى قشرة هشة يمكن لخطاب الكراهية أن يخترقها بسهولة. وفى الوقت نفسه، هناك من يرى أن حظر حزب سياسى - مهما كان خطابه - قد يكون خطوة خطيرة بحد ذاتها، لأنها تمنح الدولة سلطة واسعة لإقصاء خصومها، وتحولها إلى لاعب سياسى يستخدم أدوات استثنائية ضد المعارضة. وهكذا يصبح النقاش حول حظر حزب البديل مرآة تكشف التوتر العميق بين حماية الديمقراطية من اليمين المتطرف، وبين الخوف من أن تنزلق الدولة نفسها إلى يمين سلطوى وهى تحاول مقاومته.


ومع اتساع هذا الجدل داخل ألمانيا - بين شارع قلق ودولة مترددة - يصبح من الصعب فصل ما يجرى محليًا عن التحولات الأكبر التى تعصف بالعالم الغربى كله. فصعود اليمين فى ألمانيا لا يحدث فى فراغ، بل يتغذى على مناخ سياسى عالمى يتغير بسرعة، وعلى اهتزازات عميقة تضرب النموذج الليبرالى الذى حكم الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهنا يظهر البعد الدولى للقصة: فالمشهد الألمانى، بكل توتراته، ليس سوى انعكاس لخلخلة أوسع فى مركز هذا النظام نفسه، أى فى الولايات المتحدة. ومن هذه النقطة تحديدًا يمكن فهم أن العلاقة بين صعود اليمين الألمانى وصعود نظيره الأمريكى ليست مجرد تشابه فى الخطاب أو فى لحظة غضب شعبى، بل علاقة بنيوية تمتد إلى طبيعة الرعاية الأمريكية التى صاغت الإطار السياسى الألمانى لعقود طويلة.


فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكّل النظام السياسى الألمانى داخل مظلة الرعاية الأمريكية، حيث لعبت أمريكا دورًا مركزيًا فى إعادة بناء الدولة، وترسيخ نموذج ديمقراطى ليبرالى صارم، وضبط - بل وفرض - حدود الذاكرة التاريخية والخطاب المسموح فى المجال العام، كجزء من العلاج من آثار النازية. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الرعاية إلى نوع من الاحتواء السياسى والثقافى.


• • •
لكن المفارقة اليوم أن الإطار الليبرالى الذى تأسس عليه النظام العالمى نفسه بدأ يتصدّع مع صعود اليمين الشعبوى فى الولايات المتحدة، الذى لم يعد يرى دوره كحارس للنظام، بل كقوة متمرّدة عليه. هذا التحوّل يفتح المجال أمام اليمين الأوروبى ليقدّم نفسه كجزء من موجة عالمية، مستفيدًا من الفراغ الذى يخلّفه تراجع القيادة الأمريكية التقليدية، وفى الوقت نفسه مستعيرًا عناصر خطابها الشعبوى من نقد «الدولة العميقة» إلى الهجوم على الإعلام والنخب.


وهكذا يصبح السؤال أبعد من تمدد اليمين: ماذا يحدث حين تتراجع القوة التى صمّمت النظام الليبرالى عن قيمها الأساسية؟ وكيف تتصرف ألمانيا، التى بُنى نموذجها الديمقراطى الحساس تحت رعاية أمريكية صارمة، حين يبدأ الحارس نفسه بكسر القواعد؟ هنا يتجلى التوتر الكامل: دولة تحاول حماية نموذج ليبرالى فى لحظة تتراجع فيها القوة التى صاغته، بينما يبحث اليمين الأوروبى عن هوية جديدة داخل عالم تتفكك فيه اليقينيات القديمة. وفى هذا المشهد المتحوّل، يبدو الصعود المتوازى لليمين فى أمريكا وأوروبا ليس مجرد ظاهرة سياسية، بل علامة على أزمة أعمق فى المشروع الليبرالى الغربى نفسه، مشروع يواجه اليوم سؤالًا وجوديًا: كيف يدافع عن نفسه حين يتراجع حاميه التقليدى، وحين يصبح مركزه هو مصدر التصدّع؟

 

باحثة بمركز جنيف للدراسات

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة