حمى المعرفة

السبت 14 فبراير 2026 - 6:50 م

إن البحث عن المعرفة هو ما يجعل الإنسان فى ذلك القلق الدائم، وهى ما نطلق عليه بـ(حمى المعرفة).. فإن ما أوقد جذوة هذا المقال، هو حضورى ندوة حول كتاب للكاتب السعودى حامد الشريف بعنوان «كى تكون مبدعًا»، وكان فى أحد الصالونات الفكرية بالقاهرة، حيث وجدت ذلك الخلط الكبير فى مفهوم المعرفة والإبداع من قِبل كثير من النقاد المحترفين، وكيف أن كثيرًا قد خلطوا بين المعرفة والموهبة والفطرة والعقل والعاطفة، وهو أمر ليس بالهين خاصة عندما يكون ذلك لدى نقاد كبار متخصصين!


إنّ الإبداع مصدره المعرفة، وقضية المعرفة وارتباطها بالإلهام، هى قضية أزلية من قبل أفلاطون وحتى الآن. فقد تناول أفلاطون هذه القضية فى محاورة (أيون) حين برهن بالحجة والمنطق على أن المبدع لا يعى ولا يفهم تمامًا حقيقة الموضوعات التى قد يتناولها، وطالما افتقد إلى الفهم الكامل فإنهما يفتقدان إلى الصدق فيما يقدمان من موضوعات، وهكذا توصل إلى مبدأ عام، وهى بلا شك انعدام ثقة الأنس المفعمة بالمعرفة.


فمن وجهة نظره يرى أن «المبدع لا يعى لا يوصل إلى معرفة الحقيقة».


فهو هنا فى حالة غربة عن المعرفية والتى تسبب له ذلك القلق للبحث عنها، ولذا فهو يطالب المبدع إذا ما تكلم عن الطب أن يكون على دراية تامة بعلوم الطب، وإذا تناول التاريخ فيجب أن يدرس التاريخ بتفاصيله، وهذا يردنا إلى ما يسمى اصطلاحًا بـ (الإطار المرجعى)، وهو مخزن التاريخ لديه، وبذلك ينتفى مبدأ الفطرة بأن المبدع يبدع بالفطرة بالرغم من وجود ما يسمى بالفن الفطرى فإنه بعيد عن المعرفة وعن الحقيقة.


أما كيف يستطيع المبدع أن يصيغ فكرة ما قد لا يدرك تفاصيلها تمامًا فى قالب فنى مؤثر، فهذا ما تناوله أفلاطون فى كتاب الجمهورية تحت عنوان الجنون أو الإلهام أو الجنون المقدس، فقد أقر بأن المبدع يعمل تحت تأثير قوة إلهية تحرك الشاعر كما يحرك حجر المغناطيس برادة الحديد (الإلهام).


هذه القوة تنتقل من المبدع إلى المتلقى بقوة الجذب المغناطيسى، وهكذا أطلق أفلاطون على هذه القوة «لمسة الجنون المقدس: إن المبدع يوحى به إلى الرجال بسبب لمسة من الجنون المقدس».


ولذا يقول الدكتور لويس عوض: «الواقع أن الأقدمين لمسوا ما بين الإبداع وما فوق الطبيعة من صلة، ترى ذلك فى أتيمولوجيا اللغات واضحًا وضوح الصباح، عد إلى اشتقاق كلمة جنون فى العربية، و«جينيس» فى الإنجليزية و«جينى» فى الفرنسية، ثم اكشف عن معنى «جينيوس» فى اللاتينية، ترى أن الجن فى كل حالة مسئولون عن التفوق الذهنى كما هم مسئولون عن الخبل العقلى، اكشف عن «العبقرية» تراها صفة تتحقق فى كل من ركبته شياطين وادى عبقر بشبه جزيرة العرب، فإن تحدث إليك ناقد عربى عن «شيطان» قيس ابن الملوح فلا تصرفه هازئًا بل تدبر ما تشتمل عليه عبارته من معان جمة تهمك فى دراسة النقد، وإن قرأت فصلًا عن "مجنون" بنى عامر فلا تحسبن أن الحب وحده قد أودى بعقله، بل تذكر أنه قال شعرًا أو قولته الأساطير شعرًا، ثم اتجه إلى ديوانه تستفد منه فى هذا الصدد. بالجملة لم يعرف القدماء شيئا من العقل الباطن واللاوعى فنحلوا الإبداع إلى الجن والمجانين" وهو ما نختلف معه فى ذلك إذ أن المعرفة والإبداع ينزحان فى عصر المعلومات إلى الجماعية، ويشهد على ذلك شيوع عدد من المصطلحات التى لم تكن تذكر إلا لماما فيما مضى، من قبيل العقل الجمعى، والذكاء الجمعى، والذاكرة الجمعية والوعى الجمعى والتعلم التكافلى، والتعلم المؤسسى، والإبداع الاجتماعى، والفن أيضًا الذى كان يزهو بفرديته وتفرده أصبح هو الآخر يمارس بصورة جماعية، فكثير من أعمال الإبداع الفنى صارت تبنى من شظايا فنية، أدبية أو موسيقية أو تشكيلية، أو من موتيفات فنون الأداء الصوتى أو الحركى، تجمع من مصادر مختلفة، ليضطلع بمهمة ادماجها فى عمل فنى متسق، من طرف أو عدة أطراف، تشارك فى القيام به (الفن التنموي).


يقول كارل مانهايم: «إن المعرفة لا يمكن أن تنتقل تلقائيًا عبر الفئات الاجتماعية التى ولدتها، فى صورتها الغفل، من دون تدخل نخبة ثقافية، تخلص هذه المعرفة الغفل من الشوائب الذاتية (الفردية) والتأثيرات الاجتماعية الضارة».


ومن هنا كان لا بد من تناول الآراء النقدية ودور النخبة وثقافة النخبة فى التواصل فكيف إن ضلوا واختلطت مفاهيمهم كما فى تلك الندوة، حيث إنه إذا انفصل الخطاب وانحصر على النخبة وفى دوائر نخبوية كانت الغربة، وهى فاجعة من فواجع الثقافة والمعرفة.


وقد آمن أفلاطون بأن العقل هو وسيلة الوصول للحقيقة الكامنة فى عالم المثل والمعرفة القائمة على العقل المتصل بالحواس الخمس، كما أقره الفلاسفة المسلمون قديمًا أسموه بالمتخيلة التى هى منبع الإبداع والمعرفة، لكنهم كى يحمونها من الخلل إذ ربطوها بما أسموه بالقياس العقلى، بينما أنكر أفلاطون الحواس كوسيلة للمعرفة، لأنها تدرك فقط الأشياء الموجودة فى حياتنا، وهى ليست إلا ظلالًا للحقيقة الصامتة، كما أن الحواس يمكن أن تضلل فهى ليست معصومة من الخطأ، وبالتالى فالمعرفة متغيرة ونسبية.


فالمعرفة هى تلك الدوائر المتماسة والمتقاطعة فى الوقت نفسه، فهى معدية بالمتعة واللذة الجمالية، والتى هى نتاج المعرفة حين يزول ذلك القلق المحموم بالسعى نحو الكمال.


والمعرفة هى حصاد ذلك التراكم المعرفى من تاريخ الإرث الإنسانى، ولذلك كان الأنس بالتاريخ والموروث هو حلقة التواصل المعرفى المتصل بالوجدان والعاطفة.


ولذلك يقول الدكتور لويس عوض -هو أستاذى بطبيعة الحال- الإنسان الفرد، بعقله وابتكاراته، وسعيه الحثيث صوب الأصوب والأشمل والأعمق والأجدى، كان -وسيظل- مصدر المعرفة على مر العصور، وتدين الإنسانية بالفضل إلى أولئك العظام من الرجال والنساء ممن أقاموا صروحًا فلسفية شامخة، واكتشفوا حقائق علمية مبهرة، أو أبدعوا اختراعات خارقة، أو دشنوا مذاهب شقت مسالك جديدة فى مجالات الإبداع الفكرى والفنى المختلفة. وتكمن المعرفة الفردية فى عقل صاحبها، لتشكل اقتناعه وخياراته وأنماط أفكاره، وهى إضافة إلى سلفه، تهبه «سلطة المعرفة».


ولذا نقول إن المعرفة كامنة فيما أسميناه العقل الكونى، cosmic mind وهى منطقة لا يخترقها سوى المبدعين تلك المنطقة التى يحاول المتصوفون الوصول إليها عن طريق الذكر فيما يسمونها لحظة الوصل، وهى لحظة التجلى التى ينهل منها المبدع عمله إذا ما نجح فى الوصول إليها، لكن بعد امتلاء إطاره المرجعى بالتاريخ الإنسانى والثقافى وليس بالفطرة؛ إنها منطقة اللذة المفعمة بالمعرفة.


ملحة عبدالله
جريدة الرياض السعودية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة