هل بعض القادة الذين نراهم على الشاشات يملكون قرارهم فعلًا، أم أن السلطة الحقيقية تُدار خلف الستار، فى أماكن أخرى بعيدة عن الأضواء؟
هذا السؤال عاد إلى ذهنى بقوة مع عودة قضية الملياردير الأمريكى الراحل جيفرى إبستين إلى الواجهة من جديد، بعد نشر وثائق من مكتب التحقيقات الفيدرالى تتضمن محاضر استجواب تعود إلى عام 2019. ومن بين ما ورد فيها ادعاءات لامرأة قالت إنها تعرضت لاعتداء جنسى من دونالد ترامب فى ثمانينيات القرن الماضى، حين كان لا يزال رجل أعمال فى عالم العقارات.
القضية فجّرت مجددًا جدلًا سياسيًا واسعًا فى الولايات المتحدة، وسط اتهامات متبادلة بين الجمهوريين والديمقراطيين حول ما إذا كانت هناك أطراف تحاول إخفاء أجزاء من هذا الملف شديد الحساسية.
لكن بالنسبة لى أعادت هذه التطورات الذاكرة إلى سنوات بعيدة... إلى التسعينيات تحديدًا، حين كنت قريبة من مطبخ القرار فى الرئاسة المصرية، كإعلامية معتمدة رافقت الرئيس الأسبق حسنى مبارك فى كثير من جولاته المحلية والدولية لما يقرب من سبعة عشر عامًا.
كانت تلك السنوات مليئة بالحراك السياسى والدبلوماسى، وكانت القاهرة آنذاك محطة أساسية فى كل ما يتعلق بملف السلام فى الشرق الأوسط.
هناك، فى كواليس تلك المرحلة، سمعت عبارات ومواقف بدت فى وقتها مجرد تعليقات عابرة، لكنها مع مرور الزمن اكتسبت دلالات سياسية أعمق بكثير.
- حرائق فى البيت الأبيض
أتذكر جيدًا رحلة للرئيس مبارك إلى باريس فى أواخر عام 1997.
فى تلك الأيام كانت أجواء المفاوضات فى المنطقة مشحونة، وكانت العلاقة بين إدارة الرئيس الأمريكى بيل كلينتون والحكومة الإسرائيلية تمر بتوترات واضحة.
خلال تلك الرحلة بدا مبارك مندهشًا مما سمعه من تصريح منسوب لرئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى ذلك الوقت.
قال مبارك مذهولًا وبلهجته الصريحة:
«نتنياهو بيهدد الرئيس الأمريكى وبيقول: حاعمل حرايق فى البيت الأبيض».
فى إيه أكثر من كده؟!
كانت الجملة صادمة فى حد ذاتها.
لكن الأكثر إثارة أن ما حدث بعد ذلك بوقت قصير جعلها تبدو للكثيرين وكأنها نبوءة سياسية.
فبعد فترة قصيرة انفجرت فى واشنطن فضيحة مونيكا لوينسكى، التى تحولت سريعًا إلى أكبر أزمة سياسية واجهها الرئيس بيل كلينتون. وانشغل البيت الأبيض وقتها بمعركة داخلية كبرى كادت تطيح به.
رغم أن العلاقة بين كلينتون ولوينسكى (المتدربة فى البيت الأبيض آنذاك) حدثت بين عامى 1995 و1996.
ونتنياهو أصبح رئيسًا للوزراء فى النصف الثانى من عام 1996.
فى تلك اللحظة تحديدًا بدا وكأن واشنطن فقدت قدرتها على الضغط فى ملفات الشرق الأوسط، وعلى رأسها الملف الإسرائيلي.
كثيرون فى المنطقة رأوا فى تلك الفضيحة أكثر من مجرد قصة شخصية.
رأوا فيها مثالًا على كيف يمكن لملف شخصى أن يتحول إلى أداة ضغط سياسية. وبالفعل كانت لهذه الفضيحة ردود فعل سلبية على عملية السلام التى جُمّدت، وتمكن نتنياهو بالفعل من تحقيق غرضه.
دينيس روس.. وسيط أم طرف؟
فى تلك الفترة أيضًا كان اسم دينيس روس يتردد كثيرًا فى أروقة المفاوضات.
كان الرجل هو المنسق الأمريكى لعملية السلام، والمبعوث الذى يتنقل بين العواصم فى جولات مكوكية.
لكن كثيرين لم ينظروا إليه كوسيط محايد بقدر ما اعتبروه مفاوضًا بارعًا فى إعادة تقديم المواقف الإسرائيلية فى صيغة مبادرات أمريكية.
أتذكر أن الرئيس مبارك روى لنا يومًا موقفًا طريفًا لكنه شديد الدلالة.
قال إن روس جاءه حاملًا ما وصفه برسالة من الرئيس الأمريكى.
فرد عليه مبارك ساخرًا:
«تقصد الرئيس الأمريكى فى تل أبيب؟»
كانت الجملة تختصر إحساسًا متزايدًا فى المنطقة بأن واشنطن لم تعد وسيطًا نزيهًا، بل طرفًا منحازًا يتبنى المواقف الإسرائيلية ويسوّق لها.
من فضائح الأمس إلى ملفات اليوم
اليوم، بعد كل هذه السنوات، تعود قضايا مثل قضية إبستين لتفتح الباب أمام تساؤلات أوسع.
فالرجل الذى كان محاطًا بعلاقات مع شخصيات نافذة فى عالم المال والسياسة لم يكن مجرد ملياردير مثير للجدل، بل أصبح اسمه رمزًا لشبكات معقدة من النفوذ والعلاقات والملفات الحساسة.
وفى نظر كثير من المحللين فإن مثل هذه الشبكات قد تنتج ملفات قادرة على التأثير فى أصحاب القرار، وربما تقييد حركتهم السياسية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
إلى أى مدى يملك صانع القرار حريته الكاملة؟
وإلى أى حد يمكن أن تتحول الفضائح أو الملفات الشخصية إلى أدوات ضغط فى عالم السياسة؟
عندما تختلط الحروب بالحسابات الشخصية
ما بين ذكريات التسعينيات وما نشهده اليوم يبدو أن عالم السياسة لم يتغير كثيرًا.
فالسلطة التى تظهر فى العلن قد تخفى خلفها منظومات ضغط معقدة وشبكات مصالح تمتد بعيدًا عن أعين الشعوب.
وفى مثل هذا المناخ قد لا تكون الحروب دائمًا نتيجة حسابات استراتيجية بحتة. أحيانًا تختلط فيها المصالح الوطنية بالحسابات السياسية، بل وحتى الشخصية.
ولهذا يرى كثيرون أن استمرار بعض الصراعات، ومنها الحرب الدائرة حاليًا فى منطقتنا، لا يمكن فهمه فقط من زاوية التوازنات العسكرية أو السياسية.
فهناك من يعتقد أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو يجد فى استمرار الحرب وإطالتها مصلحة شخصية له للاستمرار فى موقعه وتجنب محاكمته فى قضايا الفساد الضالع بها.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل بعض القادة الذين نراهم على الشاشات يملكون قرارهم فعلًا، أم أنهم يتحركون بخيوط خفية؟
صحفية فلسطينية من واشنطن