لم يحتج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى وقت طويل ليقدم سرديته عما جرى فى المدرسة التى جرى استهدافها فى مدينة ميناب الإيرانية باليوم الأول من جولة الحرب الأخيرة التى شنتها بلاده وإسرائيل ضد إيران.
فبعد ساعات من تداول صور أكثر من 170 طفلة ومعلمة سقطن إثر قصف مدرسة «شجرة طيبة»، وقف ترامب أمام الصحفيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» ليعلن بثقة أن طهران هى المسئولة، مبررًا ذلك بأن الذخائر الإيرانية «غير دقيقة للغاية».
أطلق الرجل حكما قاطعا رغم علمه بأن تحقيقات أجهزته الاستخبارية توصلت إلى أن الطائرات الأمريكية هى التى ارتكبت تلك الجريمة، ومع ذلك ألقى بالمسئولية على إيران قبل أن تتكشف الحقائق لاحقا وتفضح كذبه.
وما هى إلا أيام، لتنقل صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر استخباراتية أن الصاروخ الذى أصاب المدرسة كان من طراز «توماهوك» وقد أطلقته القوات الأمريكية، نتيجة خطأ فى تحديد الهدف بعد الاعتماد على بيانات استخباراتية قديمة، والأكثر إحراجا أن هذا النوع من الصواريخ لا تمتلكه إيران من الأساس، فالولايات المتحدة هى الطرف الوحيد فى الحرب الذى يستخدمه.
لكن بدلا من الاعتراف بالخطأ أو حتى الصمت، اختار ترامب، كعادته، مسار إرباك الرأى العام. فعندما سأله أحد الصحفيين لاحقا عما إذا كانت واشنطن مسئولة عن قصف المدرسة، فأجاب ببساطة: «لا أعرف شيئا عن هذا الموضوع».
لا تبدو هذه الواقعة مجرد فصل من فصول التضليل التى تحيط بالحروب، بل تكشف شيئا أعمق يتعلق بطريقة تفكير الرجل الذى يقود اليوم الدولة الأقوى فى العالم، فالكذب بالنسبة لترامب ليس مجرد وسيلة لتحقيق هدف سياسى أو عسكرى، بل منهج واستراتيجية يتبعها منذ ظهوره فى المجال العام.
فى نهاية فترة ولايته الأولى نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرا يفيد بأن ترامب أدلى خلال سنوات رئاسته الأولى بما يقرب من أربعين ألف تصريح كاذب أو مضلل، وهو رقم غير مسبوق فى تاريخ الرئاسة الأمريكية الحديثة.
لهذا السبب يرى مؤرخ الرؤساء الأمريكيين والباحث فى جامعة كولومبيا تيموثى نافتالى أن ترامب يمثل حالة فريدة فى التاريخ الأمريكى، إذ لا يكتفى بتلوين الحقائق أو حذف أجزاء منها، بل يسعى باستمرار إلى «خلق واقع منفصل» عبر اختراع قصص لا أساس لها.
ولعل هذا ما دفع عددا من الباحثين إلى محاولة فهم الظاهرة من منظور أعمق، ففى تقرير نشره موقع «ذا كونفيرسيشن» أواخر عام 2024، حاول علماء نفس تفسير السبب الذى يدفع ترامب إلى إطلاق هذا الكم الهائل من الأكاذيب الصريحة.
التقرير الذى حرره جيف بيتى أستاذ علم النفس فى جامعة إيدج هيل البريطانية، ذهب إلى أن ترامب يتبع استراتيجية تعرف فى الدعاية السياسية بـ«الكذبة الكبيرة المركبة»،والتى تبدأ بإطلاق ادعاء ضخم، ثم تكراره بلا توقف حتى يصبح مألوفًا فى الوعى العام، وهو يطلق عليه عملية «تدوير الكذب».
ولعل المثال الأشهر على ذلك، وفقا لبيتى، هو إصرار ترامب لسنوات على أن انتخابات عام 2020 «تم تزويرها» أو «سرقت منه»، رغم عدم وجود أى دليل يدعم هذا الادعاء،ومع ذلك، لا يزال ملايين الأمريكيين يصدقون هذه الرواية حتى اليوم.
«لكن أخطر ما فى هذه الظاهرة ليس تأثيرها داخل الولايات المتحدة فحسب، بل انعكاساتها على السياسة الدولية، فالزعيم الذى يطلق الأكاذيب بهذه السهولة يضعف الثقة فى بلاده».
وهو ما ذهب إليه أيضا أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد ستيفن والت الذى وصف ترامب بأنه «الكاذب الأعلى/ الأعظم»، فى إشارة إلى أن سلوكه لا يقوض فقط مصداقيته الشخصية، بل ينعكس أيضا على صورة الولايات المتحدة فى العالم.
هنا يبرز سؤال ملح؛ فإذا كان الجميع يعلم أن هذا الرجل يكذب، فلماذا يمضى خلفه قادة العالم؟.. ربما يكمن جزء من الإجابة فى طبيعة النظام الدولى نفسه، حيث تضطر معظم الدول ــ خاصة فى إقليمنا ــ إلى التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها قوة مهيمنة لا يجوز الخروج عن فلكها أو تحدى من يقودها، وكى يريح قادة تلك الدول أنفسهم يقولون أن الولايات المتحدة هى أهم شريك استراتيجى لهم رغم أن الحقائق أثبتت أنها أكبر عدو استراتيجى لهم ولشعوبهم.
لكن جزءًا آخر من الإجابة يتعلق بمهارة ترامب فى استخدام الكذب كأداة للهيمنة السياسية،
فالرجل لا يكتفى بإطلاق الروايات المضللة، بل يهاجم أيضا كل من يحاول تفنيدها، سواء كانوا صحفيين أو خبراء أو حتى رؤساء دول، وغالبًا ما يتحول هذا الهجوم إلى إهانة متعمدة.
وعليه قد لا تكون المشكلة فقط فى أن ترامب يكذب، فالحقيقة المرة أن معظم قادة العالم ينافقون هذا الرجل، ويتعاملون مع أكاذيبه على أنها حقائق، ومع أوهامه عن السلام والهيمنة والنصر والاستسلام غير المشروط على أنها سياسات واقعية يجب التكيف والتعايش معها والبناء عليها.