عدوّ الناس.. أم عدوّ الشعب؟!

الأحد 15 مارس 2026 - 5:15 م

 هذه أوقات عصيبة حتما، وهى كذلك ليس فقط لدى شعوب الخليج أو الفلسطينيين واللبنانيين، بل هى كذلك لكل العالم القريب والبعيد، لأن الحروب لا تعرف الحدود المصطنعة ولا الجغرافيا، بل هى عابرة للمدن والدول وحتى القارات. فى الأزمنة المضطربة، حين تختلط الأصوات ويعلو ضجيج الشعارات وتتجيّش المشاعر فيخمد صوت العقل، يصبح من السهل أن يُصنَّف الإنسان فى خانةٍ لم يخترها. يكفى أن يقول كلمة عقل، أو يحذر من طريقٍ مظلم، حتى يُتَّهم بأنه «عدوّ الشعب» أو «عدوّ الناس». هكذا ببساطة يتحول التحذير إلى خيانة، والعقل إلى تهمة، والذاكرة إلى عبءٍ لا يريد أحد أن يسمعه.

• • •

لكن من هو عدوّ الناس حقا؟ فهذا ليس بتعبير جديد أو مستحدث، بل هو قديم. فقد كتب الأديب النرويجى Henrik Ibsen روايته الشهيرة An Enemy of the People التى تُرجمت لمعظم لغات العالم الحية، حول الطبيب Thomas Stockmann الذى يكتشف أن المياه فى الحمامات العلاجية فى مدينته – وهى مصدر الازدهار الاقتصادى فيها – ملوثة وخطرة على صحة الناس. ويتصور أنه بذلك ينقذ حياة الكثير من البشر، إلا أنه سرعان ما يكتشف أن الحقيقة التى كشفها تتحول إلى مشكلة بل أزمة سياسية واقتصادية، لأن فى ذلك تهديدا لمصالح أقليات ربما من المستفيدين. لذلك يقوم سكان المدينة، ومنهم شقيقه، بحملة ويطلقون عليه «عدوّ الناس». وتكشف المسرحية فى عمقها أن المجتمع قد يقف أحيانا ضد من يقول الحقيقة، خاصة عندما تهدد هذه الحقيقة مصالح قوية أو حتى سردية وهمية خلقها البعض لصورة عدو أو شيطان. لذلك فبدلا من مواجهة المشكلة يختار الكثيرون أن يعادوا الطبيب.

• • •

منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، لم يتغير الكثير. فما يزال من يقول الحقيقة أو يحذر من كارثة قادمة يُتَّهم بأنه يبالغ أو يثبط العزائم أو يقف ضد «الإجماع». لكن السؤال الحقيقى يبقى: من هو عدوّ الناس فعلا؟

هل هو ذلك الذى يقف ليقول إن الطريق إلى الحرب ليس بطولة، وإن الدم الذى يُراق لن يصنع وطنا، وإن التاريخ الذى تجاهلناه سيعود ليكرر نفسه بصورةٍ أكثر قسوة؟ أم أن العدو الحقيقى هو من يدفع الناس إلى الهاوية وهو يلوّح برايات النصر، بينما يعرف فى داخله أن الحروب حين تبدأ لا يعرف أحد كيف تنتهى؟

• • •

قراءة التاريخ ليست ترفا فكريا، بل ربما ضرورة للبقاء. فالحروب الكبرى فى العالم لم تبدأ يوما بقرارٍ واضح يعلن الخراب القادم، بل بدأت دائما بشعارات كبرى: الدفاع عن الكرامة، حماية الوطن، أو استعادة الحق أو الدفاع عن حقوق شعب هنا أو هناك. لكن خلف هذه الكلمات كانت تقف مشاريع أخرى، ومصالح أكبر، وحسابات لا علاقة لها بحياة الناس العاديين الذين يدفعون الثمن. كتب بعض مما تبقى من الصحفيين المؤمنين بمهنتهم ومهمتهم فى نشر الوعى، فذكّروا بالحرب العالمية الأولى وغيرها، وصولا إلى احتلال العراق الذى ما لبثنا أن اكتشف كل العالم أنه بدأ بكذبة أنهت وفتّتت وطنا بحضارة وتاريخ أعرق من أولئك المحتلين الكاوبوى وحلفائهم!!!

• • •

الحروب ما هى إلا كتلة نار تتدحرج لتنال الأخضر واليابس وكثيرا من الأبرياء المدنيين والضعفاء قبل الأقوياء. فهى لا تقتل أولئك الجالسين فى دفء بيوتهم أو على طرقات أعمالهم أو مدارسهم فحسب، بل تقتل المدن والذاكرة والاقتصاد وحتى الأمل أحيانا. وتترك خلفها أجيالا كاملة تعيش على أنقاض ماضٍ كان ربما يملك بصيص أمل لمستقبل واعد ربما!!!..

ومع ذلك، يستمر العالم فى تكرار المأساة نفسها. لأن هناك دائما من يرى فى الحروب فرصة لا كارثة: مشاريع تتمدد فوق الخراب، ونفوذ يُبنى على ركام المدن، وثروات تُجمع من تجارة الدم. هؤلاء لا ينظرون إلى البشر كأفراد لهم حياة وأحلام، بل كأرقام فى معادلةٍ سياسية أو عسكرية، خاصة إذا ما كانوا بعيدين عن البشرة البيضاء.

• • •

والأكثر قسوة أن قيمة الإنسان فى هذا العالم ليست متساوية. فحين يسقط ضحايا فى أماكن كثيرة من الأرض، تمرّ المأساة كخبرٍ عابر. لكن حين يكون القتيل من "العالم الأبيض" – أمريكيا أو أوروبيا أو إسرائيليا – يصبح الحدث قضية عالمية تهتز لها المنابر والسياسات، وكأن حياة الإنسان تُقاس بجواز سفره أو بلون بشرته.

• • •

وسط هذا العالم المربك، يصبح صوت العقل ضروريا، حتى لو كان غير مرغوب فيه. فالتحذير من الحروب ليس خوفا جبانا، بل شجاعة أخلاقية. والقول إن المستقبل قد يكون أكثر ظلاما إذا لم نتعلم من الماضى ليس تشاؤما، بل مسئولية.

• • •

وقد يُتَّهم من يقول ذلك بأنه «عدوّ الناس»، كما حدث مع بطل مسرحية إبسن قبل أكثر من قرن. لكن الحقيقة أبسط من كل الاتهامات:

عدوّ الناس ليس من يحذرهم من الهاوية، بل من يدفعهم إليها وهو حاملا شعارات ومدغدغا لعواطف قد تكون مرتبطة ببقعة أو أرض أو قومية أو دين أو حتى طائفة... الرب يحمى هذه المنطقة عندما اعتزلت الملائكة ووقف الشيطان يتفرج على من هو أكثر شرا منه.

كاتبة بحرينية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة