x قد يعجبك أيضا

السياسة والضمير.. تجربة بطرس غالى!

الأحد 15 مارس 2026 - 5:20 م

بموقف واحد، حاسم ومكلف، صحح صورته فى التاريخ وأعاد اعتباره لدى قطاعات واسعة بالعالم العربى لم تكن توليه ثقتها.

فى (18) أبريل (1996) فاجأ العالم كله بموقف استدعاه ضميره قبل أى شىء، كان ثمنه عدم التجديد له لفترة ثانية أمينا عاما للأمم المتحدة، كأول مصرى وعربى وإفريقى يتولى هذا المنصب الدولى الرفيع.

فى ذلك اليوم ارتفع صوته تنديدا بالمجزرة الإسرائيلية فى قرية «قانا» جنوب لبنان.

تجاوز غضبه كل ما هو معتاد فى أية جرائم مماثلة ضد الإنسانية ترتكبها إسرائيل بالذات.

لم يكن معتادا فيمن تولوا المنصب قبله، إدانة إسرائيل بالاسم مهما بلغت جرائمها من بشاعة.

ولا كان معتادا طلب تقرير مسهب عن الجريمة الإسرائيلية المروعة، التى أفضت إلى استشهاد (106) من المدنيين اللبنانيين.

طلبوا الحماية والأمان فى مقر تابع للقوات الدولية «اليونيفل»، لكنهم وجدوا الموت يحصد أرواحهم.

على عكس الصورة، التى لاحقت مسيرته السياسية بدا شجاعا إلى أبعد حد، صارما فى موقفه، أيا ما كانت عواقبه.

أقر التقرير، الذى قدمته قيادة «اليونيفل» فى لبنان عن وقائع الجريمة، أحداثها وملابساتها وأوجه التعمد فيها.

كان ذلك تحديا مباشرا لسطوة القوة الأمريكية على المنظمة الدولية.

هددته «مادلين أولبرايت» المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، بدعم رئاسى كامل من «بيل كلينتون»، من أنه إذا أقر التقرير وأعتبره من وثائق المنظمة الدولية فإنه لن تجدد له ولاية ثانية، وهو ما حدث فعلا فى العام نفسه.

مضى بقوة الضمير واحترامه لمنصبه إلى آخر المطاف.

خسر منصبه ولم يخسر احترامه لنفسه.

كانت تلك صورة مغايرة لما بدت عليه فى عيون الرأى العام المصرى والعربى.

هكذا لم يكن لائقا تجاهل ذكرى رحيله العاشرة، لا استعيدت تجربته ولا استخلصت دروسها الأساسية فيما بين السياسة والضمير.

بمصادفات المقادير رحل الأمين العام الأسبق الدكتور «بطرس غالى» فى (16) فبراير (2016) اليوم السابق مباشرة لرحيل الأستاذ «محمد حسنين هيكل».

فى رحاب مؤسسة «الأهرام» جمعتهما فكرة تأسيس أول مجلة عربية متخصصة تحت اسم «السياسة الدولية».

مع كثرة الأدوار والمناصب، التى تولاها، لم يكتسب أية شعبية، أو ثقة عامة فيه لأسباب بعضها لا تعود إليه ولا تدخل فى مسئوليته كإرثه العائلى.

هو من عائلة قبطية عريقة تورط مؤسسها، رئيس الحكومة الأسبق «بطرس باشا غالى» فى قضيتين حساستين.

الأولى، محاكمة دنشواى، التى ألهمت الضمير الوطنى مجددا فكرة جلاء قوات الاحتلال البريطانى وضروراته حتى لا يعلق المصريون على أعواد المشانق ويجلد آخرون بالسياط على مرأى من ذويهم.

الثانية، دعوته لتمديد امتياز قناة السويس لأربعين سنة إضافية.

فى عام (1910) اغتيل على يد صيدلى شاب اسمه «إبراهيم ناصف الوردانى» ينتمى إلى الحزب الوطنى، الذى أسسه الزعيم الوطنى «مصطفى كامل».

كان ذلك أول حادث اغتيال سياسى فى مصر الحديثة.

«قولوا لعين الشمس ما تحماشى

لاحسن غزال البر صابح ماشى».

هكذا أنشد بسطاء المصريين يوم إعدام «الوردانى».

إنه إرث وجدانى عميق أثر بصورة مباشرة وغير مباشرة على شعبية «بطرس غالى» الحفيد ومنسوب الثقة العامة فيه.

أفضت الظروف والملابسات، التى صاحبت تجربته وزيرا للدولة للشئون الخارجية إلى ظلال إضافية.

إثر استقالة وزير الخارجية «إسماعيل فهمى» ووزير الدولة للشئون الخارجية «محمد رياض» احتجاجا على مبادرة الرئيس الأسبق «أنور السادات» لزيارة القدس وإلقاء خطاب أمام الكنيست دون تشاور مسبق، أو اقتناع بجدواها، كلف «بطرس غالى» بإدارة ملف وزارة الخارجية مصطحبا الرئيس إلى القدس.

كان قبوله التكليف فى مثل هذه الظروف داعيا إلى الإدانة المسبقة وافتقاده لأية شعبية وقبول عام خارج الوسط الأكاديمى، أو مجموعات الدبلوماسيين، الذين اقتربوا منه.

أتاحت ظروفه بعد انقضاء عصر «السادات» أن يروى شهادته الخاصة فى كتابه «طريق مصر إلى القدس» سجل فيها ملاحظات جوهرية على أسلوبه فى إدارة التفاوض.

لم يكن «السادات» يبدى اهتماما بالتفاصيل، أو يلتزم بأية قواعد وأصول.

بدا خاضعا تماما لأهواء اللحظة لا وفق استراتيجية محددة.

الأسوأ الطريقة، التى عامل بها دبلوماسييه واصفا إياهم بـ«الميكانيكية»، كما كتب «غالى» مستغربا نحت التعبير الساخر من مصطلح «الميكانيزم»، الذى كان شائعا وقتها وسط المثقفين.

تجربته فى التفاوض بكل ظلالها تستحق المراجعة والتدقيق فيها لتجيب على سؤال: أين كانت الأخطاء القاتلة؟

بدورها تستحق تجربته فى الأمم المتحدة مراجعة أخرى، لتجيب على سؤال: ما حدود مسئوليته عن غياب أى موقف يعتد به فى مواجهة مذبحة رواندا عام (1994)، التى راح ضحيتها مئات الآلاف من عرقيتى «التوتسى» و«الهوتو»؟

لمرة أخرى فى العام التالى (1995) تردد سؤال مماثل عن مدى تقاعسه أمام مجزرة «سربرنيتسا» المروعة فى يوغوسلافيا السابقة؟

حمل وحده مسئولية فشل المجتمع الدولى، وجرى بالخداع تبرئة القوى الكبرى من أية مسئولية!

فى مجزرة «قانا» ثأر لنفسه، وأعلن الحقيقة بلا مواربة، وتحمل مسئولية موقف الضمير بشجاعة استثنائية ترد اعتباره فى مرآة التاريخ.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة