مصلحة الطفل تسبق المكاسب الاقتصادية

الثلاثاء 23 ديسمبر 2025 - 6:20 م

 

فى العاشر من ديسمبر الجارى، دخل قانون جديد حيز التنفيذ فى أستراليا يحظر على الأشخاص دون سن 16 عامًا امتلاك حسابات على منصات التواصل الاجتماعى، ويعد القانون الذى استهدف عشرة منصات تواصل اجتماعى شهيرة هو الأول من نوعه فى العالم وبدأت أستراليا فى الإعداد له منذ ما يزيد على عام. يهدف القانون إلى حماية الأطفال والمراهقين من الآثار السلبية المحتملة للاستخدام المفرط وغير المنظم لوسائل التواصل الاجتماعى فى سن مبكرة، بما فى ذلك الإدمان الرقمى والتنمر الإلكترونى والتأثير السلبى على الصحة النفسية والعقلية.

المثير فى القانون أنه يضع عبء تنفيذه على الشركات وليس المستخدمين أو أولياء الأمور، حيث ألزم الشركات بالبحث عن وسائل للتحقق من عمر المستخدمين لمنع إنشاء حسابات لأى شخص دون 16 عامًا مع حذف كل الحسابات القائمة التى يمتكلها أشخاص دون السن المحددة، وتضمنت عقوبات مخالفة القانون غرامات مالية ضخمة تصل إلى خمسين مليون دولار أسترالى.

مارست الشركات المعنية بالمنصات المتضمنة فى القانون العديد من الضغوط على الحكومة الأسترالية لمنع صدور القانون أو الوصول إلى صيغة مختلفة توفر الحماية للأطفال، بما فى ذلك رفع دعاوى قضائية والتعلل بصعوبة تنفيذ الحظر دون الإخلال بمعايير وضوابط خصوصية المستخدمين، غير أن تلك المساعى لم تنمع الحكومة الأسترالية من المضى قدمًا فى تنفيذ القانون الذى تدرس أيضًا عددًا من دول العالم إصدار قوانين مشابهة له، من بينها المملكة المتحدة والدنمارك وماليزيا.

تؤكد الدراسات أن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعى يسبب أضرارًا بالغة بالصحة النفسية للأطفال والمراهقين، إذ يؤثر سلبًا على تطور مهارات التعلم والتحكم فى المشاعر والانفعالات، كما أظهرت دراسات تجريبية علاقة وثيقة بين استخدام منصات التواصل الاجتماعى وارتفاع معدلات الاكتئاب والعزلة الاجتماعية واضطرابات النوم وزيادة معدلات الانتحار والعنف والاستغلال الجنسى للأطفال كما يزيد الاستخدام المفرط لمقاطع الفيديو القصيرة من تشتت الانتباه وضعف القدرة على التركيز.

ما فعلته أستراليا يعكس طبيعة السياسات العامة ومخرجاتها، وهى عملية مفاضلة يقوم بها صانع القرار بين البدائل المختلفة وفق أولويات ومعتقدات الحكومة والنظام السياسى، فلا توجد سياسة أو قرار قادر على خدمة مصالح جميع الفئات بنفس الدرجة. فأى حكومة فى العالم تواجه العديد من المشكلات المعقدة، والتى تستوجب اتخاذ قرارت ليست مثالة دائمًا لكنها تنطوى على توازنات دقيقة بين مصالح الفئات المختلفة، والمخاطر المحتملة، والموارد المتاحة، بحيث يسعى صانع القرار للوصول إلى أفضل حل ممكن يحقق أكبر قدر من المنافع ويقلل الأضرار، مع إدراك أن بعض الأطراف قد تتأثر سلبًا، وأن النتائج النهائية غالبًا ما تعكس أولويات وقناعات الحكومة.

فى الوقت نفسه فإن السياسات العامة ليست مباراة صفرية، لا يخسر فيها أحد ولا ينتصر فيها شخص بصورة كاملة، بل هى عملية مواءمة وتوازن للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة للتعامل مع المشكلة. فلا شك أن التنمية الاقتصادية ونشاط الشركات أمر مهم لأى اقتصاد، فالقطاع الخاص قادر على التوظيف وخلق فرص العمل وتحسين معيشة ورفاهية الإنسان، كما يسهم فى إيرادات الضرائب التى تستخدمها الدولة لتقديم الخدمات العامة، إلا أن بعض الحكومات ترى أن صحة الأطفال وخاصة صحتهم النفسية والاجتماعية ونموهم الذهنى والنفسى والعقلى السليم يجب أن تكون الأولوية القصوى.

• • •

وفى حين يطغى فيه الفكر الرأسمالى على توجهات الغالبية العظمى من حكومات العالم، بما فى ذلك الحرية الاقتصادية وتمكين القطاع الخاص والحد من التدخل الحكومى فى النشاط الاقتصادى، نجد أن أستراليا لم تبال بتلك المعتقدات، وجعلت مصالح الأطفال أولوية على مصالح الشركات وهو نفس الأمر الذى نراه فى بعض الدول التى أصدرت قوانين لتنظيم الدعاية والإعلان للمنتجات الغذائية التى تحتوى نسبة عالية من السكر والتى تتسبب فى ارتفاع معدلات السمنة بين الأطفال، ومثال على ذلك منع بث الإعلانات التليفزيونية فى أوقات ذروة مشاهدة الأطفال أو منع بيع بعض المنتجات فى محيط المدارس. كما فرض الاتحاد الأوروبى قيودًا مشددة تهدف إلى حماية الأطفال من المحتوى الضار على الإنترنت، مثل حظر الإعلانات الموجهة للأطفال على منصات الفيديو أو ألعاب الهاتف المحمول، وتشديد الرقابة على الرسومات المتحركة أو التطبيقات التى تستهدف فئة عمرية صغيرة. وفى الولايات المتحدة الأمريكية تم سن قانون يحظر جمع البيانات الشخصية للأطفال للأغراض التسويقية والدعائية، كل هذه الأمثلة تعكس توجهًا عالميًا متزايدًا يضع مصالح الأطفال وحمايتهم فى صدارة الأولويات، حتى لو تعارض ذلك مع بعض مصالح الشركات أو أرباحها المالية.

ومع ما نشهده فى مصر خلال الفترة الماضية من ارتفاع معدلات العنف بين الأطفال، واستخدام منصات التواصل الاجتماعى بصورة غير أخلاقية من جانب بعض المراهقين، والحوادث المرعبة التى يكون مرتكبوها أطفال، ندعو الحكومة المصرية للتحرك واتخاذ إجراءات واضحة وفعالة لتنظيم الاستخدام المفرط للأطفال لمواقع التواصل الاجتماعى، ضمن حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات التى تهدف إلى الحفاظ على صحتهم النفسية.

ويستلزم هذا دراسة الوضع الراهن فى مصر من عدة جوانب، تشمل الفئات العمرية التى تستخدم منصات التواصل الاجتماعى، وأنماط الاستخدام وتوقيته ومدته، بالإضافة إلى متابعة مؤشرات الصحة النفسية للأطفال والمراهقين. كما ينبغى الاستفادة من التجارب الدولية والنظر فى تطبيق حلول تتناسب مع الواقع المصرى، تشمل التوعية الأسرية والمدرسية، وتفعيل الرقابة الموجهة على المنصات الرقمية، ودعم برامج الصحة النفسية للأطفال والمراهقين بما يعزز نموهم العقلى والنفسى والاجتماعى بصورة صحية وآمنة.

 

أستاذ مساعد السياسات العامة بالجامعة الأمريكية فى القاهرة

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة