x قد يعجبك أيضا

عصر جديد

الإثنين 12 يناير 2026 - 6:45 م

لا أكاد أصدق أنا والملايين غيرى ما يجرى فى عالم اليوم، فلم يكن أحدٌ يتصوّر أن تتحول الولايات المتحدة الأمريكية الدولة التى كانت تعتبر حامية الحقوق والحريات وملاذ الشعوب فى بعض مراحل تاريخها إلى قلعة للاستبداد والعدوان على الغير وإرهاب الدول الأخرى مهما كانت الأسباب وتعددت الدوافع، فهناك إحساس عميق بأن ما يدور حاليًا هو بداية النهاية لأسطورة الديمقراطية الغربية بل هو المسمار الأخير فى نعش العلاقات الدولية المستقرة نسبيًا عبر العصور الحديثة، فلقد جاءنا الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بملفات مختلفة وصحائف جديدة محاولاً أن يفرض الهيمنة الأمريكية لا فى الشرق الأوسط وحده ولا فى أمريكا الوسطى واللاتينية بحكم القرب الجغرافى ولكنه يتجاوز ذلك كله إلى المساس بكياناتٍ ودول فى مختلف القارات بدءًا من جرانادا وكندا وصولاً إلى كل من يختلف مع سياسة واشنطن أو لا يقبل الضغوط الجديدة التى تمارسها على النظم والحكومات والشعوب والمجتمعات.


إنه يضع اليوم نموذجًا للقوى الكبيرة فى الطغيان والظلم، فما الذى يمنع روسيا الاتحادية من ابتلاع دول البلطيق وشواطئ البحر الأسود فى سياسة جديدة تحت مفهوم الضم الآمن للشعوب الصغيرة، بل وما الذى يمنع الصين أيضًا من ابتلاع تايوان، وما الذى يمنع مجرم الحرب نتنياهو من أن يعربد وأن يدفع بالتصريحات الاستفزازية لوزير دفاعه فى محاولات مستمرة لإرهاب المدنيين وتخويف الفلسطينيين وتعذيب شعوب بلا ذنب أو جريرة؟! إلا أن النظم الجديدة تحاول أن تفرض عليها نمطًا مختلفًا تركع فيه الشعوب ويتم إذلال الأمم ويصل الأمر إلى حد اختطاف رئيس دولة من مقره وتقديمه للمحاكمة الأمريكية مهما كانت الجريمة ومهما كانت التجاوزات والادعاءات إذ أن هناك قواعد قانونية مستقرة وأعراف دولية راسخة تكون هى الفيصل فى الأمور والحكم فى مثل هذه الظروف.


وأنا لا أدعى أن رئيس فنزويلا ملاكًا بجناحين وليست مهمتى أنا أو غيرى الدفاع عنه، ولكن مهمتى أنا وغيرى هى الدفاع عن الإجراءات القانونية واحترام المواثيق الدولية ووضع الأمور فى نصابها الصحيح دون تجاوز بدلاً من سياسة رعاة البقر التى عفا عليها الزمن، ولعلنا نتباكى الآن على مبادئ الرئيس الأمريكى ويلسن فى تقرير المصير أو الدور الأمريكى لعدة عقود فى المشروعات التنموية والاكتشافات العلمية والاختراعات الصناعية، إننى لا تملكنى كراهية للشعب الأمريكى على الإطلاق بل أرى فيه أحيانًا دفء الود الإنسانى والعلاقة الطيبة مع الآخر، ولكنى فى الوقت ذاته لا أقبل بالتأكيد ما يفعله بعض حكامه المتحالفين مع إسرائيل المعتدية ومع حكومتها اليمينية العدوانية المتطرفة بزعامة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، وأرى أن ما نشهده حاليًا إنما هى نذر انفجارات محتملة بل وحرب عالمية واردة، فلقد بلغ السيل الزبى وبدت الأمور غريبة تكاد تكون غير قابلة للتصديق، ولعلى أطرح هنا سيناريوهات ثلاث لاحتمالات المستقبل القريب على المستوى العالمى فى إطار ما شهدناه واحتمالات ما سوف نشهده على الساحات المختلفة، وأطرح تلك السيناريوهات على النحو التالى:


أولاً: إن السيناريو الأول هو أن يتعاظم دور الإدارة الأمريكية ولا تجد داخليًا أو خارجيًا من يلجم شططها ويوقف غلواءها فتكون النتائج بالتالى كارثية على علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بحلفائها وأصدقائها قبل أن ينعكس الأمر على خصومها وأعدائها، وفى ظنى أن النمط الشخصى لدونالد ترامب لا يوحى أبدًا بالتفاؤل ولا يبعث على الأمل، فقد تضخمت لديه الذات بشكل غير مسبوق وأصبح يرى أنه سيد العالم بنظر إلى الخريطة الدولية ليعطى كل يومٍ أوامر جديدة من خلال تصريحات مستفزة وإنذارات باطشة جعلت العالم يقف على حافة الهاوية لا يدرك من أمره إلا ما تأتى به الأنباء المخيفة والأخبار التى تبعث على القلق من أن يكون مستقبل الإنسانية وحياة سكان الكوكب رهنًا بتلك المواقف المتطرفة والسياسات العدوانية فى كل مكان، ومثل هذا السيناريو المطروح بشدة يحتوى على مصادر للانفجار فى أكثر من موضع فى وقت واحد، فالحرب الروسية الأوكرانية يستعر أوارها ويجرى التصعيد فيها، فالعدوان حالة مرضية معدية عندما تنتشر فى جو سياسى معين فإنها تخترق الحدود وتتجاوز الخطوط الحمراء وتمضى فى عنف وشراسة بلا رقيب أو حسيب، ويبدو أن عناد وغطرسة واستبداد دونالد ترامب يمكن أن يقابلها التعنت والعنف على الجانب الآخر حيث الإدارة المركزية لروسيا الاتحادية فى موسكو، كما أن برميل البارود فى الشرق الأوسط قابل للانفجار فى أى وقت وواهم من يتصور أنه قد جرى القضاء نهائيًا على حركة حماس الفلسطينية أو حزب الله اللبنانى بل إن كل الشواهد تشير إلى غير ذلك، وكل يوم نرى ما تفعله الذئاب المنفردة والخلايا النائمة بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية أو غيرهما، فالدماء تجلب الدماء والثأر يستدعى الثأر ولا فائدة فى المستقبل إلا بتجاوز الماضى بجراحاته وهمومه وهو أمر يبدو لنا عصيًا على النسيان إذ أن نموذج غزة وما جرى فيها فى الأعوام الأخيرة يؤكد أننا أمام مشهد حزين قد لا يقبل الغفران أبدًا.


ثانيًا: هناك احتمال يتعلق بالداخل الأمريكى وظهور أصوات عاقلة فى ظل نظام حزبى عريق يسمح بمراجعة الشطط وضرورة تصحيح المسار واسترضاء من أصابتهم قذائف الرئيس الأمريكى ترامب بجراح سوف تظل تنزف دمًا لعقود قادمة، وإذا كان الأمل منعقدًا على الحزب الديموقراطى فى واشنطن فإنه منعقد أيضًا على الأصوات العاقلة إن وجدت داخل الدولة العبرية التى اختطفتها جماعة متطرفة لا يبدو أنها سوف تقنع أو ترضى بما حدث، ولازالت لدينا آمال حقيقية فى تسوية محتملة لأزمة أوكرانيا خصوصًا وأن الرئيس الأمريكى يريد أوراق النصر فى يده ليلوح بها وكأنما يقول للأطراف الأخرى هل من جديد! ولست أظن أن الوضع فى أمريكا الوسطى سيقف عند الحد الذى وصل إليه بل إن هناك دولاً أخرى مثل كولومبيا والمكسيك مرشحة هى الأخرى لضغوط ترامبية قد تكون أعنف وأقسى مما شهدنا، وعندئذٍ لن ينقذها الحزب الديمقراطى الأمريكى ولن يكون «مبدأ مونرو» لعام 1823 شفيعًا لها، فالعالم يمضى سريعًا والتطورات لا تتوقف من يوم لآخر.


ثالثًا: إن عصرًا جديدًا يطل على العالم يحمل فى طياته أسباب الأمل ودوافع الرجاء، ونحن نعلم أنه ما من أزمة استحكمت حلقاتها أو مشكلة احتدمت الصراعات داخلها إلا وطلع الفجر بعدها يبشر بيوم جديد، وينزع فتيل الآلام فى أسبوع ميلاد السيد المسيح حيث تتنادى ترانيم الكنائس مع صلوات المساجد طلبًا لغد أفضل وسلام مستقر، إن أخشى ما أخشاه صراحة هو أن تكتسب الأوضاع الحالية لونًا دينيًا يرحب به ترامب ويتصرف على أساسه، فقد اختلطت لديه معايير التطرف الإرهابى بعوامل الاختلاف الدينى فإذا به يتحدث عن «بوكو حرام» فى نيجيريا معلنًا أنها تقتل المسيحيين انتقاءً وقد غاب عنه أن الأمر غير ذلك فالصراع الدامى هناك لا يفرق فى الاستهداف بين مسلمى الشمال ومسيحيى الجنوب ولكنه يكتسح الجميع بلا وعى أو حكمة، إننى أخشى من عصر جديد يستعيد إطلالة التعصب الدينى من كل نافذة ونصبح أمام عالم لا يرضى به أحد أبدًا.


خارج هذه السيناريوهات والتوقعات الثلاث فإننا أمام طرق مسدودة وأسلحة موجهة وخطاب كراهية سائد ينذر بأوخم العواقب على مختلف الأصعدة، لذلك فإننا نأمل أن يبزغ فجر جديد ويطل عصر مختلف يفيق فيه الحكام ويدرك الجميع أننا فى قارب واحد إما أن ننجو به أو نغرق جميعًا، ولتكن صرخات أبناء غزة وضحايا جرائم السودان هى حروف من نور تسعى لإنقاذ البشرية مما تعانيه، فلا زال باب الأمل مفتوحًا مهما ازدحمت الخطايا وتكاثرت النوائب.

نقلا عن إندبندنت عربية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة