ترامب ونفط فنزويلا
الإثنين 12 يناير 2026 - 6:40 م
من بين ذرائع شتى ساقها لتبرير عملية «العزم المطلق» فى الثالث من يناير الجارى؛ طغى مأرب ترامب، لجهة استعادة نفط فنزويلا، التى تطوى أراضيها أضخم احتياطى مؤكد، بواقع 303 مليارات برميل، تمثل قرابة 20% من إجمالى الاحتياطى الكونى. إذ شدد على أن الفارق بين خطته لإدارة فنزويلا ما بعد مادورو، بعد بضع سنين، ومخطط بوش الابن فى عراق ما بعد صدام؛ يكمن فى استحواذ واشنطن على النفط، عبر السيطرة على إنتاج ومبيعات وإيرادات النفط الفنزويلى إلى أجل غير مسمى. وبينما لم يحدد إطارًا قانونيًا لهكذا إجراء؛ قرر ترامب الدفع بكبريات الشركات النفطية الأمريكية لتكريره، إعادة تسويقه، أو استخدامه ضمن الاحتياطى الاستراتيجى الأمريكى مستقبلًا؛ حيث ستؤمن تلك الشركات استثمارات بقيمة 100 مليار دولار لتنشيط قدرة فنزويلا على استغلال احتياطياتها النفطية الهائلة. فيما تعهد بتوفير الحماية والضمانات الكفيلة بتسهيل تلك المهمة، ما بين استقرار أمنى وسياسى، وإصلاح الأطر التجارية والأنظمة القانونية، لا سيما المتعلقة بالمحروقات. وأعلن ترامب أن فنزويلا ستشحن ما بين 30 إلى 50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات إلى الولايات المتحدة، ليتم بيعها واستلام ثمنها، الذى يقارب مليارى دولار، تخصص فنزويلا نصيبها منها لشراء سلع أمريكية الصنع. وفيما يعد تجاوبًا مع المخطط الأمريكى، أكدت ديلسى رودريجيز، القائمة بأعمال الرئيس الفنزويلى، انفتاح بلادها على تعاون طاقوى مفيد للطرفين.
بهيمنتها على نفط فنزويلا الثقيل، الحامضى، منخفض الثمن، ثم نجاح شركاتها النفطية فى تحويل احتياطيه الضخم المعطَّل إلى إنتاج فعلى؛ سيتسنى لواشنطن إدراك مغانم استراتيجية جمّة. فإضافة إلى الهبوط بسعر البرميل إلى 50 دولارًا، بما يخفض كلفة البنزين للأمريكيين، ستتعزز جهود ترامب لإنعاش «إعادة التصنيع» عبر تنشيط مصافى النفط الثقيل المنتشرة على خليج المكسيك. وسيكون بمقدور واشنطن الاستغناء عن عروض نفطية أخرى حول العالم، خصوصًا بعد إضافة نفط كندا وبقية دول أمريكا اللاتينية، ما يشكل نحو 40% من إجمالى الإنتاج النفطى العالمى. الأمر الذى أعطى ترامب إشرافًا فعليًا على ما يمكن اعتباره «إمبراطورية نفطية خاصة»، تمنحه أداة اقتصادية وجيوسياسية لم تنبغِ لرئيس أمريكى منذ زمن فرانكلين روزفلت. فبينما مكّنت طفرة النفط الصخرى منذ عام 2008 واشنطن من استعادة صدارة الإنتاج العالمى، لم تخولها ضبط الأسعار عالميًا، حتى بددت فنزويلا تلك المعضلة، ليس من خلال الإنتاج الفورى، وإنما عبر احتياطياتها الهائلة. وهكذا اقتنصت واشنطن نفوذًا عظيمًا ومستدامًا على الإنتاج اليومى، يعينها على ضمان أمنها الطاقى، كبح تقلبات الأسعار مستقبلًا، وتقليص قدرة الخصوم على استخدام النفط سلاحًا جيوسياسيًا عبر تقييد الإمدادات.
تتيح السيطرة الفعلية على نفط نصف الكرة الغربى مزية جيوسياسية فريدة للسياسة الخارجية الأمريكية، إذ تفسح لها فضاءً أرحب من حرية الحركة. فبينما يقلص اعتمادها على واردات النفط الخام الثقيل الأكثر تكلفة من كندا، سيعزز مقاومة ترامب لإغواء بوتين باحتياطيات حقول سيبيريا مقابل إبداء مرونة فى ملفات خلافية عديدة، على شاكلة أوكرانيا. وطيلة عقود ظلت التدخلات العسكرية الأمريكية الخارجية أسيرة الحذر من انعكاساتها على أمن الطاقة. أما اليوم، بات لواشنطن يد عليا على منتجى النفط كافة. ولعل هذا ما يفسر إقدام ترامب على مغامرات كانت مستبعدة فيما مضى، كمثل الاستهداف العسكرى المباشر لمنشآت نووية إيرانية، ومساعدة أوكرانيا على تنفيذ عمليات جريئة داخل روسيا. ثم جاء اعتقال مادورو ليؤكد أن حسابات أمن الطاقة ما عادت تقيد السياسات التصعيدية الخارجية للبيت الأبيض. وبعد ما يناهز قرنين على إطلاق مبدأ مونرو، أعاد ترامب تحديثه لمواكبة استراتيجيات واشنطن فى زماننا، ويغدو «مبدأ دونرو». وبموجبه صار نفط فنزويلا جزءًا من إمبراطورية نفطية تمتد من ألاسكا إلى باتاغونيا، وتخضع بالكامل لإشراف واشنطن، التى أضحت الموارد الطبيعية تشكل جوهر استراتيجيتها الكونية.
لما كانت فنزويلا هى الدولة اللاتينية الوحيدة التى تربطها شراكة استراتيجية كاملة مع الصين، بات من غير المستبعد أن تفضى الإطاحة بمادورو وهيمنة واشنطن على النفط الفنزويلى إلى بلوغ هدف استراتيجية الأمن القومى «الترامبية»، المتمثلة فى تقويض نفوذ بكين فى النصف الغربى من العالم. ورغم أن حصتها من النفط الفنزويلى لا تتخطى 6% من وارداتها النفطية، إلا أن فقدانه سيحرم الصين مصدر طاقة رخيصًا وأداة نفوذ ماليًا حيوية. ففى حين يعتمد نموها الاقتصادى المتعاظم، بالأساس، على استيراد النفط والغاز بأسعار زهيدة، سيعيق أى اضطراب طويل الأمد فى إمداداتهما مواصلة ذلك النمو بتكلفة مقبولة. وفى مسعى منها لاستيفاء ديونها لدى فنزويلا، التى تعد رابع أكبر متلقٍ للقروض الصينية، إذ حصلت على 106 مليارات دولار طوال ربع القرن المنقضى، لا تزال الصين المشترى الأكبر لنفطها بأسعار مخفضة، إذ تجاوزت وارداتها 600 ألف برميل يوميًا، شكلت 60% من إجمالى الصادرات النفطية الفنزويلية. وحرصًا منها على كبح جماح الصعود الاقتصادى والتمدد الجيوسياسى لبكين، تعزز واشنطن هيمنتها على بؤر إنتاج النفط الأساسية والممرات البحرية الحيوية التى تمر عبرها إمداداته. فبينما تمتلك إنتاجًا محليًا ضخمًا، ومخزونًا استراتيجيًا، وقدرة على الوصول إلى مصادر متعددة، تفتأ الصين تعتمد، بالأساس، على الاستيراد عبر ممرات بحرية أكثر انكشافًا أمام الاضطرابات الجيوسياسية. وبعدما ضخت بكين استثمارات وقروضًا ضخمة فى فنزويلا مقابل الحصول على النفط الرخيص وتكريس نفوذ طويل الأمد فى أمريكا الجنوبية، تأبى واشنطن إلا حمل الحكومة الفنزويلية المؤقتة على قطع علاقاتها مع الصين وروسيا وكوبا وإيران، وإبرام شراكة نفطية حصرية مع الولايات المتحدة. وبينما أكد روبيو أن ذلك يتصدر أولويات واشنطن فى فنزويلا ما بعد مادورو، أعلنت إدارة ترامب أنها أبلغت روسيا والصين بأن واشنطن لا تريدهما فى فنزويلا، التى أقنعتها بتحويل إمداداتها النفطية بعيدًا عن بكين. وليست الاستثمارات الصينية فى فنزويلا، خصوصًا فى مجالى الطاقة والاتصالات، بمأمن من التضرر؛ فبضغوط أمريكية قد تشكك السلطة المؤقتة الموالية لواشنطن فى دستورية بعض المشاريع المشتركة، أو تعتبرها تهديدًا للأمن القومى، ما يستوجب إلغاء الامتيازات الممنوحة للشركات الصينية أو تقليص حصصها لصالح منافساتها الأمريكية.
متنوعة هى العقبات التى تعترض المخطط «الترامبى» حيال فنزويلا. ففى صدارتها يبرز تدهور الوضع الحالى للبنية التحتية لحقول النفط وخطوط الأنابيب ومصافى التكرير، ما تمخض عنه انكماش الإنتاج من 3.5 مليون برميل يوميًا إلى أقل من مليون، بجريرة سوء الإدارة والفساد والعقوبات وانكماش الاستثمارات وهجرة الكفاءات. فضلًا عن تراكم الديون الخارجية، التى تتراوح بين 150 و170 مليار دولار، تعثرت كراكاس فى سدادها منذ عام 2017. وفى حين يتطلب إعادة تأهيل تلك البنية التحتية سنوات من الاستثمارات بمئات مليارات الدولارات، مع استقرار سياسى مدعوم بإطار قانونى متوازن، سيستغرق إدراك الزيادة المطلوبة فى الإنتاج سنين عدًّا، مع افتراض هدوء الأوضاع، وتقييم المخاطر قبل ضخ الاستثمارات، وإعادة فتح الأسواق، ورفع العقوبات التى حرمت البلاد معدات وتقنيات تكفل تنشيط الإنتاج.
ثمة مخاوف من أن يفضى انتقال سياسى مُحبِط، مقترن بشعور مناوئ للهيمنة الأمريكية، مع غياب بديل يطمئن إليه الأمريكيون، إلى اندلاع مقاومة مسلحة قد تمتد لسنوات، تقودها جماعات أو تنظيمات تتبنى حرب العصابات، بما يضر بالاستقرار السياسى ويعيق تطور البيئة التشغيلية وإطار عمل العقود. لذا أصرت شركات النفط الأمريكية على تلقى ضمانات قانونية وأمنية ومالية صلبة من إدارة ترامب قبل ضخ استثماراتها الهائلة فى قطاع الطاقة الفنزويلى، وهو ما اضطر البيت الأبيض إلى تقديمها، مع التعهد بالانتهاء من إعادة تأهيل البنية التحتية النفطية الفنزويلية فى غضون 18 شهرًا، ستتكبد كلفتها شركات النفط، التى سيتم تعويضها من جانب الحكومة الأمريكية عبر العائدات.
لطالما اصطدمت جهود ومشاريع إعادة الإعمار التى تقودها جهات أجنبية فى دول نفطية بعراقيل شتى لجهة نيل الشرعية والنجاح على أرض الواقع. ويحفل التاريخ الحديث بعديد أمثلة على إخفاق تدخلات أمريكية لإسقاط أنظمة فى هكذا دول، كمثل العراق وليبيا، فى إدراك المغانم النفطية التى كانت تتوخاها واشنطن. وتشى خبرات الماضى بأن تغيير الأنظمة الحاكمة بالقوة قد لا يضمن بالضرورة استقرار التدفقات النفطية. وفى ظل احتمالات استعصاء عودتها القوية إلى سوق النفط العالمى، قد تتحول فنزويلا إلى عبء اقتصادى وجيوسياسى يهدد قاعدة ترامب الداعمة ويؤثر سلبًا على حظوظ حزبه أثناء الانتخابات التشريعية النصفية المقبلة، لا سيما وأن أمن الطاقة لا يتعزز بالاستحواذ القسرى أو فرض أمر واقع بالقوة، وإنما بفتح الأسواق، والاستثمار الآمن وطويل الأجل، واحترام مبادئ وقواعد الشرعية الدولية.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا