x قد يعجبك أيضا

شركاء فى التصوُّر الخاطئ بشأن «حماس»

الإثنين 12 يناير 2026 - 6:55 م

إن الإصرار على عدم إجراء تحقيق شامل فى إخفاق 7 أكتوبر يترافق فى الآونة الأخيرة مع جهد منظّم لهندسة السردية المتعلقة بهذا الإخفاق، وبمسألة مَن كان أسير هذا تصوُّر، ومن هم الذين كانوا ــ وما زالوا ــ أصحاب الرؤية الصائبة، المكلّفين إصلاح الوضع. وفى هذا السياق، يُلقى العبء الأكبر من المسئولية على أجهزة الأمن، ولا سيما أجهزة الاستخبارات، بزعم أنها عانت جرّاء سوء فهم عميق لطبيعة «حماس»؛ وأنها لم تعرض ــ بل إنها أخفت ــ معلومات حاسمة، وأغرقت المستوى السياسى بتقديرات خاطئة؛ وطبعاً، قدمت أداءً ضعيفاً فى 7 أكتوبر فى مواجهة «زعران بالشبشب»، حسبما قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وأن الفشل برمّته يقع على عاتق الأجهزة الأمنية.


هذا ليس مجرد محاولة لاستنساخ استنتاجات لجنة أغرانات، التى خففت من مسئولية المستوى السياسى عن إخفاق حرب يوم الغفران، وألقت اللوم، فى معظمه، على الجيش، بل هو تجاهُل فاضح لحقيقة أن التصوُّر بشأن «حماس» لم يكن مجرد «خطأ أمنى» جرى تلقينه للقيادة السياسية، إنما كانت جزءاً من رؤية فكرية صيغت ودُفع بها قدماً، وبوعى، ومن تلقاء نفسها، من طرف عدد كبير من الساسة (إلى جانب عدد غير قليل من الإعلاميين والأكاديميين الذين رددوا المواقف عينها)، ونبعَ ذلك من قناعات ومصالح، لا من قبول أعمى لتقديرات الأجهزة الأمنية.


على مدى أعوام، لوّح كثيرون من صانعى السياسات، عشية 7 أكتوبر، بفكرة مفادها أن «حماس» «رصيد استراتيجى»، وأنه يجب تعميق الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، كذلك تباهوا بالقول إن الحركة «مردوعة» (ولا سيما بعد عملية «حارس الأسوار»، التى استنتج بعدها يحيى السنوار أن الظروف باتت ناضجة لتنفيذ الهجوم)، وأن الترتيبات الاقتصادية ناجحة، وأنه يمكن الدفع فى اتجاه التطبيع مع العالم العربى من دون معالجة القضية الفلسطينية.


حتى لو قُبل الادّعاء القائل إن مجمل تصوّر الواقع لدى السياسيين كان يعتمد على تقديرات خاطئة صادرة عن أجهزة الأمن، فلا يزال هناك أسئلة صعبة مطروحة: ألم يُسمع فى أى من جلسات تقييم الوضع صوت نقدى واحد داخل المستوى السياسى إزاء التقديرات التى قدمتها الأجهزة الأمنية بشأن غزة؟ كيف تشكّلَ تفكير جماعى (Groupthink) لدى صانعى القرار؟ وهل طُرحت فى أى وقت مطالبة بفحص كيفية بلورة التقديرات الاستخباراتية، وإلى أى معلومات استندت؟


إنها كلها مهمات أساسية تقع على عاتق المستوى السياسى، وغيابها ــ أو حضورها المحدود ــ يُعدّ خللاً خطِراً يستوجب التحقيق، حتى قبل الخوض فى السؤال: مَن هم وراء هذا التصوُّر؟


اليوم، يقدّم المستوى السياسى نفسه على أنه برىء من بذور الوهم الاستراتيجى (بل يصرّ بعض الساسة على أنه عارض دائماً التقديرات التى قُدّمت قبل 7 أكتوبر)، وبالتالى يعتبر نفسه مؤهلاً لحمل راية «التصحيح». وتجسّد هذا التصحيح فى سلسلة مبادرات فاشلة دُفعت منذ اندلاع الحرب، وكلّها تحمل فى طياتها سِمات «نظرية» 7 أكتوبر، وعلى رأسها الإيمان بإمكان هندسة الواقع والوعى، عبر الاقتصاد.


هذه المبادرات انهارت، وألحقت أضراراً جسيمة، ولم تُحقق شيئاً، وبالتالى تحولت إلى منصة انطلاق لوهمٍ جديد: بدءاً من رعاية العشائر والميليشيات فى غزة، مروراً بمشروع GHF [مؤسسة غزة الإنسانية]، وصولاً إلى الاعتقاد أنه يمكن إفراغ القطاع من الفلسطينيين. وإذا شُكلت لجنة تحقيق رسمية، فعليها ألّا تفحص إخفاق 7 أكتوبر فقط، بل أيضاً الأوهام التى نشأت بعده، وأن تسأل كيف أمكن تكرار إنتاج تصوّرات بصورة منهجية.


يتجلى الجانب المظلم من هندسة السردية فى الانتقال الحاد من طرف القبول الظاهرى لتقديرات الأجهزة الأمنية، إلى طرف الهجوم العنيف عليها. لقد اتهم الساسة أجهزة الأمن، مراراً، بأنها لا تزال أسيرة الوهم الاستراتيجى، لا بل متراخية؛ وجرت مجابهة وصلت إلى حدّ الاستخفاف بمواقفها (وهو ما أدى إلى قرار احتلال مدينة غزة، وهى خطوات انتهت بعد أن فرض ترامب على إسرائيل إنهاء الحرب)؛ كذلك جرى تدخُّل غير مسبوق فى التعيينات داخل المنظومة الأمنية، بقصد زرع أشخاص يُفترض أنه لا علاقة لهم بالتصوُّر، والمطلوب منهم أيضاً تقليص النقد من النوع الذى كان ضرورياً للغاية عشية 7 أكتوبر، والذى لو أُجرى تحقيق عميق، لَتبيَّن أنه درس مركزى.


إن السردية المتبلورة لدى المستوى السياسى ربما تكون لها تبعات خطِرة أيضاً على أجهزة الأمن التى أجرت، حتى الآن، تحقيقات نقدية قاسية. فحصرُ الإخفاق فى أسئلة تقنية من نوع «مَن بلّغ مَن، ومتى»، وحصرُ الخطأ فى أقلية يُقال إنها المسئولة عن التصوُّر، بينما كان الآخرون أصحاب تفكير سليم، يمكن أن يُجهض نقاشاً عميقاً بشأن قضايا جوهرية، وفى مقدمتها: ما هو النمط الشخصى المطلوب لدى المسئولين عن التقديرات الاستراتيجية (من حيث الانفتاح والنقد الذاتى)؟ وهل الآلية التى تُصاغ هذه التقديرات من خلالها فعالة؟ وإلى أى مدى توجد معرفة عميقة بالآخر، فى ظل المشكلة الأساسية المتمثلة فى قلة عدد الذين يتقنون لغته وثقافته داخل أجهزة الاستخبارات؟


إن المماطلة المنهجية فى التحقيق فى إخفاق 7 أكتوبر تمنع إجراء محاسبة وطنية ضرورية، هدفها تبيان الإخفاقات الجماعية وطريقة إصلاحها وضمان عدم تكرارها مستقبلاً. فإسرائيل تشبه ملاحاً ضلّ الطريق، وبدلاً من أن يعود ليتفحص أين بدأ التيه، يواصل الجرى بثقة مفرطة، مستخدماً الخرائط الخاطئة ذاتها والبوصلة المعطلة نفسها، مع اقتراب كبير من الهاوية.


والأخطر من ذلك، أنه من الضرورى التعامل مع التحقيق على أنه قيمة مقدسة تضمن بقاء الحكم والمجتمع فى إسرائيل، لأنه يقوم على قيَم أساسية هي: قول الحقيقة والصدق وتحمُّل المسئولية. والاستخفاف بهذه المبادئ الوجودية يضمن بقاء جذور كوارث الماضى، ويجعلها قابلة للانفجار مجدداً بقوة أشدّ فى المستقبل.

 

ميخائيل ميلشتاين
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة